لم يعد الذهب السوداني مجرد سلعة تصدّرها البلاد في صمت، بل تحول إلى واحد من أكثر ملفات الحرب تعقيداً وحساسية. فمع القرار السويسري بحظر شراء واستيراد وعبور الذهب ذي المنشأ السوداني، ومنع تقديم الخدمات والتمويل المرتبط بتجارته، تدخل تجارة الذهب السوداني مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: تشديد الرقابة على الأموال التي تدور حول الحرب.
الإجراء السويسري، الذي يدخل حيز التنفيذ في 10 سبتمبر، لا يتوقف عند منع دخول الذهب السوداني إلى الأسواق السويسرية، وإنما يذهب أبعد من ذلك بمنع الخدمات المرتبطة به والتمويل المتصل بتجارته، إلى جانب حظر تصدير مواد كيميائية معينة إلى السودان تُستخدم في تعدين الذهب واستخلاصه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية القرار.
فالذهب في السودان لم يعد قضية اقتصادية منفصلة عن الحرب. منذ اندلاع النزاع، أصبح المعدن النفيس واحداً من أهم مصادر التمويل المحتملة للفاعلين العسكريين وشبكات المصالح المرتبطة بهم، في ظل اتساع التعدين الأهلي، وتعدد الوسطاء، وغياب الرقابة الفعالة على سلاسل الإنتاج والتصدير.
سويسرا لا تضرب الذهب وحده.. بل تضرب السلسلة المحيطة به.
عندما يُحظر شراء الذهب واستيراده وعبوره، ثم تُحظر الخدمات والتمويل المرتبطان بتجارته، تصبح الضغوط موجهة إلى الحلقة المالية التي تسمح بتحويل الذهب من معدن مستخرج في مناطق النزاع إلى أموال يمكن استخدامها داخل النظام الاقتصادي الدولي.
وهذا تطور مهم، لأن العقوبات الحديثة لا تحتاج دائماً إلى منع السلاح مباشرة حتى تؤثر في الحرب؛ أحياناً يكفي تضييق منابع التمويل.
لكن السؤال الأكبر هو: من سيدفع ثمن هذا القرار؟
هنا يجب التفريق بين شبكات تجارة الذهب التي تستفيد من الحرب، وبين ملايين السودانيين الذين يعتمدون على التعدين كمصدر للرزق. فالتشدد الدولي إذا لم يصاحبه مسار واضح للذهب المشروع قد يدفع جزءاً من النشاط الاقتصادي إلى مزيد من السرية والتهريب، بدلاً من القضاء عليه.
لذلك، فإن نجاح القرار السويسري لا يقاس فقط بكمية الذهب التي لن تدخل سويسرا، وإنما بمدى قدرته على تغيير سلوك شبكات التجارة والتمويل التي تقف خلف الذهب غير المشروع.
أما منع تصدير بعض المواد الكيميائية المستخدمة في تعدين الذهب واستخلاصه، فيكشف جانباً آخر من المعادلة. فالمجتمع الدولي لا يحاول فقط مراقبة المنتج النهائي، وإنما بدأ بالنظر إلى مدخلات العملية الإنتاجية نفسها.
وهذا يعني أن الرقابة قد تتحول تدريجياً من سؤال: من اشترى الذهب؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من موّل إنتاجه؟ ومن وفر المواد اللازمة لاستخراجه؟ ومن نقله؟ ومن قدم له الخدمات المصرفية والتجارية؟
إنها محاولة لبناء دائرة رقابية حول السلعة منذ خروجها من الأرض وحتى وصولها إلى الأسواق الدولية.
غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول الذهب السوداني إلى اقتصاد ظل كامل. فإذا أُغلقت القنوات الرسمية دون توفير بدائل قانونية وشفافة، فإن الذهب لن يتوقف عن الإنتاج؛ بل قد ينتقل بصورة أكبر إلى شبكات التهريب، وهو ما يعني استمرار استفادة المتنفذين وتضرر المنتجين الصغار.
لهذا فإن المطلوب من السلطات السودانية، بدلاً من التعامل مع العقوبات باعتبارها مؤامرة خارجية فقط، أن تواجه أصل المشكلة: أين يذهب الذهب؟ ومن يملك حق تصديره؟ ومن يراقب عائداته؟ وكم يدخل منها إلى خزينة الدولة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً.
فالذهب ثروة وطنية يفترض أن تمول الدولة والاقتصاد والخدمات، لا أن تتحول إلى وقود لنزاع عسكري أو إلى مصدر ثراء لشبكات محدودة بينما يعيش المواطن تحت وطأة التضخم وانهيار العملة وتراجع الخدمات.
والقرار السويسري، في هذا السياق، ينبغي أن يكون جرس إنذار.
فإذا استمرت الحرب، واستمر معها اقتصاد الذهب غير الشفاف، فمن المرجح أن تتسع دائرة الإجراءات الدولية لتشمل مزيداً من الوسطاء والشركات والخدمات المالية والتجارية المرتبطة بسلاسل الذهب القادمة من السودان.
لكن الحل الحقيقي لا يكمن في العقوبات وحدها.
الحل يبدأ من إخراج الذهب من اقتصاد الحرب وإعادته إلى الاقتصاد الوطني؛ عبر إنشاء نظام شفاف للتعدين والشراء والتصدير، وإتاحة قنوات رسمية للمنتجين، وتتبع الذهب من المنجم إلى السوق، وملاحقة شبكات التهريب، وضمان وصول عائداته إلى الخزينة العامة، بعيداً عن تمويل الأطراف المسلحة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.