يمثل الانهيار الاقتصادي تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة السودانية؛ فانهيار العملة، واتساع الفقر، وتراجع الإنتاج، وتعطل الأسواق، وتزايد نذر المجاعة، كلها مؤشرات على أن البلاد تقترب من نقطة حرجة. وحين يعجز الاقتصاد عن توفير الغذاء والخدمات، وحماية قيمة العملة ومصادر دخل المواطنين، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شرعية، وقد تصبح تكلفة انهيار الاقتصاد العامل الأهم الذي يهدد بقاء حكومة الأمر الواقع.
دخل السودان الحرب باقتصاد هش، ضعفت فيه القطاعات الإنتاجية، وتراجع الاستثمار الزراعي والصناعي، واتسع الاعتماد على الاستيراد والموارد الأولية. وكان مشروع الجزيرة، أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي، مثالًا صارخًا على التدهور الذي أصاب البنية الإنتاجية.
وأضعفت سياسة التمكين الخدمة المدنية، وأخضعت مؤسسات الدولة لمنطق الولاء السياسي، فتراجعت الكفاءة والرقابة والتخطيط. ومع ضعف المؤسسات، توسع الاقتصاد غير الرسمي، وانتشرت المحسوبية والوساطة، وأصبح النفوذ طريقًا للوصول إلى الموارد والفرص.
كما أهدرت سنوات النفط فرصة تاريخية لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا. وعندما تراجع النفط، ظهرت هشاشة الاقتصاد بوضوح، واشتد الضغط على الجنيه، وتراجعت موارد النقد الأجنبي. ومن ثم، فإن انهيار العملة نتيجة تراكمية لضعف الإنتاج والصادرات، والعجز المالي، وفقدان الثقة.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى تضخم متوسط يبلغ نحو (75.1%) في 2026، فيما يظل الدين الحكومي الإجمالي عند مستوى يقارب (169.1%) من الناتج المحلي؛ وهي مؤشرات تعكس ضيق هامش المناورة أمام الدولة.
ودفعت الحرب الاقتصاد من الهشاشة إلى الانهيار. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو (29.4%) في 2023، ثم (14%) في 2024، بينما تراجعت إيرادات الدولة من نحو (10%) من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من (5%) خلال 2024-2025. وترافق ذلك مع تدمير المنشآت والأسواق وشبكات النقل والكهرباء والاتصالات، وفقدان ملايين السودانيين مصادر دخلهم.
والأخطر أن الحرب أنتجت اقتصادًا موازيًا قائمًا على التهريب والاحتكار والمضاربة وتجارة الذهب والعملات، بما يحول الموارد من تمويل التنمية إلى تمويل شبكات الصراع. ولذلك، فإن إطالة الحرب لا تعني مزيدًا من الدمار فحسب، بل تعني أيضًا تعميق اقتصاد الحرب ومصالح المستفيدين من استمراره.
وتلقى القطاع الخاص، بدوره، ضربة قاسية؛ فقد انكمش الاقتصاد بأكثر من (40%) منذ اندلاع الحرب، وأُغلق نحو واحد من كل ثلاثة أعمال. ومع تضرر الزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد، أصبح الأمن الغذائي جزءًا من الأزمة الاقتصادية نفسها، وأصبحت نذر المجاعة نتيجة لتعطل الإنتاج والأسواق والنقل، فضلًا عن الفساد وسوء الإدارة.
لكن السودان لا يحتاج فقط إلى إصلاح ما دمرته الحرب، وإنما إلى إعادة بناء النموذج الاقتصادي. فالكهرباء والمياه والطرق والاتصالات يجب أن تعود بصورة أكثر كفاءة ولا مركزية، خاصة مع تقدير أضرار شبكة الكهرباء وحدها بنحو ثلاثة مليارات دولار.
ويبدأ التعافي الحقيقي بوقف الحرب، ثم إعادة بناء المؤسسات، وإصلاح المالية العامة والجهاز المصرفي، واستعادة استقلال البنك المركزي، ومحاربة التهريب والفساد، وإحياء الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، وإعادة الاعتبار للتعليم والصحة ورأس المال البشري.
إن السودان لا تنقصه الموارد، وإنما تنقصه دولة قادرة على إدارتها. ولذلك، فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية هي معركة استعادة وظيفة الدولة وبناء عقد اقتصادي جديد يجعل الإنتاج أساسًا للثروة، والعدالة أساسًا لتوزيعها، والسلام مدخلًا إلزاميًا للتنمية. فوقف الحرب هو الشرط الأول لإنقاذ الاقتصاد، وخلاص السودان.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.