لماذا كان على السودان أن يمرَّ بتجربة الإخوان المسلمين؟ (حين يتحول الدين من رسالةٍ لتحرير الإنسان إلى تجارةٍ بالإنسان)
حسن عبدالرضي الشيخ
ربما كان السؤال الأكثر إيلاماً الذي ينبغي أن يواجهه السودانيون اليوم ليس: كيف دخل الإخوان المسلمون إلى عقولنا وقلوبنا حتى صار بعضنا يراهم حراساً للدين، ويرى في خصومتهم خصومةً مع الإسلام؟ وكيف استطاعت جماعة سياسية أن تجعل من الدين رأس مالٍ سياسي، ومن التدين سوقاً، ومن محبة السودانيين للنبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ جسراً تعبر عليه إلى السلطة؟ وكيف انتهى شعبٌ عرف التسامح والكرم والمروءة إلى أن يسبَّ بعض أبنائه المفكرين، ويحكم عليهم بالردة والموت، بينما يسلّم عقله وبلاده لمن جعلوا الدين سلّماً إلى القصر؟
هنا تقع المأساة.
وليست المأساة أن السودان عرف جماعة الإخوان المسلمين فحسب؛ فالجماعات والأحزاب تأتي وتذهب. وإنما المأساة أن السودانيين منحوا هذه الجماعة شيئاً أخطر من السلطة: منحوا بعض خطابها حصانةً دينية.
فإذا قال الكوز: «هذا حكم الله»، تراجع العقل خطوة إلى الوراء. وإذا قال: «هذا دفاع عن الإسلام»، صار السؤال جريمة. وإذا قال: «من يعارضنا يعارض الشريعة»، أصبح المعارض، في نظر البسطاء، عدواً للدين لا خصماً سياسياً.
وهكذا أُغلقت أبواب النقد، وبدأت التجارة الكبرى: تجارة الدين باسم الدين.
لم يبدأ الأمر في ٣٠ يونيو ١٩٨٩. فذلك التاريخ كان لحظةً كاشفة، لا لحظة البداية.
فقد سبقه عمل طويل على الوعي: تنظيمٌ سياسي يتقدم إلى المجتمع مرتدياً ثوب الدعوة، ويتحدث بلغة الوعظ، ويقترب من المساجد والطلاب والنقابات والجامعات، ثم يبني، شيئاً فشيئاً، شبكةً من النفوذ الاجتماعي والسياسي.
وحين جاءت اللحظة، لم يدخل الإسلاميون القصر وحدهم؛ دخلوا إليه ومعهم رصيدٌ من الثقة الدينية الزائفة التي راكمها الخطاب الإسلامي السياسي في المجتمع.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا.
لم يكن الكيزان وحدهم مسؤولين عن نجاح الكذبة.
لقد نجحوا لأن المجتمع سمح، بدرجات مختلفة، بأن تختلط عنده ثلاثة أشياء لا ينبغي أن تختلط: الإسلام، والتدين، والتنظيم السياسي.
فالإسلام رسالة.
والتدين تجربة إنسانية.
أما الحزب والتنظيم فعمل بشري قابل للصواب والخطأ، وللنقد والمحاسبة والسقوط.
لكن حين يُلبس التنظيم السياسي ثوب الدين، تصبح محاسبته كأنها محاسبة للدين، ويصبح سقوطه ـ في وعي بعض الناس ـ سقوطاً للإسلام نفسه. وهذه هي الحيلة الكبرى.
لكن لماذا نجحت تجارة الدين؟ لأن السوداني بطبيعته محبٌّ للدين، محبٌّ للنبي، معتزٌّ بتراثه الروحي. وهذه المحبة فضيلة. لكن الفضيلة نفسها يمكن أن تتحول إلى مدخل للاستغلال إذا غاب عنها العقل. فالإنسان الذي يحب الدين يمكن أن يقول له السياسي: أنا أمثل الدين. والذي يحب النبي يمكن أن يقول له: أنا أدافع عن الإسلام. والذي يخشى على دينه يمكن أن يقول له: إن لم تكن معنا فأنت ضد الشريعة.
وهنا يتحول الخوف على الدين إلى وسيلة لإسكات العقل. وما أخطر أن يصبح الدين علامة تجارية سياسية! يرتفع الشعار، وتُخفض راية العقل. تُرفع المصاحف، وتُغلق أبواب المساءلة. تكثر الخطب عن التقوى، ويقل الحديث عن حقوق الإنسان. ويُسأل الناس عن طول اللحية وقصر الثوب، ولا يُسألون بالقدر نفسه عن العدل والحرية والكرامة. وهكذا يصبح التدين مظهراً، بينما يُترك جوهر الرسالة: أن يكون الإنسان إنساناً.
والمفارقة التي ينبغي أن تؤلم كل سوداني هي أن السودان لم يكن بلا صوت يحذّره. كان هناك رجل سوداني أصيل وقف مبكراً في وجه هذا الخلط المشين والهوس الديني. كان الأستاذ محمود محمد طه يقول، بوضوح وشجاعة نادرة، إن الإسلام أكبر من أن يكون مطيةً لحزب، وإن الدين لا يُختزل في مشروع للسلطة، وإن استغلال الإسلام في السياسة يمكن أن يفسد السياسة ويشوّه الدين معاً.
فقد أصدر، في ديسمبر ١٩٨٤، منشور «هذا أو الطوفان» ناقداً لقوانين ما تسمى بالشريعة، والتي أسماها الأستاذ محمود قوانين سبتمبر، محذراً من الطريق الذي كانت تسلكه السلطة باسم الإسلام. لكن ماذا فعلنا نحن؟ بدلاً من أن نقرأ الرجل، قرأناه من خلال خصومه. وبدلاً من أن نناقش أفكاره، سمعنا عنه. وبدلاً من أن نسأل: ماذا قال؟ سألنا: ماذا قال عنه الآخرون؟ وهذه، في جوهرها، إحدى أعظم أزمات العقل السوداني.
لقد حكمنا على المفكر قبل أن نقرأه. وأغلقنا الكتاب قبل أن نفتحه.
ثم جاء يوم ١٨ يناير ١٩٨٥، الذي وقف فيه الأستاذ محمود محمد طه مبتسماً، على حبل المشنقة فداءً لهذا الشعب الكريم، بعد محاكمة انتهت إلى الحكم عليه بالردة.
وبعد ذلك بسنوات قليلة، جاء الذين حذّر منهم الأستاذ، واستولوا على الدولة نفسها.
أي مفارقة أكبر من هذه؟
قُتل الرجل الذي حذّر من الكارثة، ثم مُنحت الكارثة مفاتيح البلاد! لم يكن الأستاذ محمود يطلب من السودانيين أن يتركوا الإسلام. بل كان، في جوهر مشروعه، يريد تحرير الإسلام من أن يتحول إلى أداةٍ للاستبداد. كان يقول إن الدين الذي لا يرفع مستوى الإنسان لا يكون قد أدّى غايته. وهنا الفرق بين دين يحرر الإنسان ودين يُستخدم للسيطرة على الإنسان.
الأول يقول لك: فكّر. والثاني يقول: اتبع. الأول يوسّع صدرك للآخر. والثاني يخوّفك من الآخر. الأول يجعل الأخلاق غاية. والثاني يجعل السلطة غاية. الأول يربّي الضمير. والثاني يطلب الولاء.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: أي الإسلامين كنا نريد؟
ثم جاءت الطامة، الإنقاذ، في ٣٠ يونيو ١٩٨٩، حيث أُطيحت الحكومة المنتخبة، واستولى النظام العسكري الذي ارتبط بالحركة الإسلامية على السلطة. ومنذ تلك اللحظة دخل السودان في تجربة طويلة امتزج فيها التنظيم بالدولة، والسياسة بالدين، والسلطة بالأجهزة، حتى أصبحت الدولة نفسها ساحةً لتجربة الإسلام السياسي. ثم جاءت المفاصلة بين عمر البشير وحسن الترابي في ١٩٩٩.
وهنا سقط سؤال بسيط لكنه عظيم الدلالة: إذا كان الخلاف كله من أجل «المشروع الإسلامي»، فلماذا انتهى الإسلاميون إلى صراعٍ مرير على السلطة والنفوذ داخل مشروعهم نفسه؟ فكان ينبغي أن نتعلم. لكننا لم نتعلم بما يكفي. ولقد دفعنا ثمن عدم التعلم، إذ دفع السودان ثمناً هائلاً.
سنواتٌ من الاستبداد. حروب. انقسامات. هجرة. فقر. وانهيار مؤسسات. تآكل التعليم. وإفقار الإنسان.
ثم جاء الخراب الأكبر. بل وصلنا إلى هذه اللحظة التي أصبح فيها السوداني يقتل السوداني، ويجوع السوداني، وينزح السوداني، ويبحث السوداني عن مأوى خارج وطنه.
يا لها من مسافة بين شعار «الإسلام هو الحل» وبين وطن يبحث فيه الإنسان عن مكان آمن لينام! إذا كان الدين قد جاء ليقيم العدل، فأي عدلٍ هذا الذي انتهينا إليه؟ وإذا كانت السياسة باسم الإسلام قد جاءت لتحفظ كرامة الإنسان، فأي كرامةٍ بقيت لإنسانٍ فقد بيته وأمنه وطعامه ومستقبله؟
علينا أن نملك شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها.
فالدين لم يفشل. الذي فشل هو توظيف الدين سياسياً. والإسلام لم يُهزم. الذي انهزم هو مشروع جعل الإسلام شعاراً لتنظيم بشري، ثم طلب من الناس أن يقدسوا التنظيم لأنه يتحدث باسم المقدس.
ولماذا وصلنا إلى هذا الدرك؟ لأننا لم نربِّ الإنسان على الحرية بما يكفي. ربيناه على الطاعة. لم نعلّمه أن يسأل: لماذا؟ بل علمناه أن يسأل: من قال؟ لم نربِّ فيه ملكة النقد، بل ربيناه على تقديس الشيخ والزعيم والحزب والطائفة. وحين وجد الكيزان هذا الإنسان، وجدوا أرضاً خصبة.
فالتنظيم الذي يملك جواباً جاهزاً لكل سؤال يجد طريقه سهلاً إلى العقل الذي يخاف السؤال. وهنا تقع مسؤولية النخب، والتعليم، والأسرة، والمؤسسة الدينية، والمجتمع كله. فالاستبداد السياسي لا يعيش بالسلاح. إنه يعيش في العقول التي تخاف الحرية.
ومن أكثر الأشياء إيلاماً أن الجمهوريين، الذين كان ينبغي أن يكونوا جزءاً أصيلاً من الحوار الفكري السوداني، جرى تصويرهم باعتبارهم خارجين من الدين. ولم يكن ذلك دائماً نتيجة قراءة علمية لأفكارهم.
كان كثير منه نتيجة حملة تخويف ديني. فإذا قال الجمهوري كلاماً لا يعجبك، لا تناقش كلامه. قل إنه كافر. وإذا خالفك في فهم الإسلام، لا تبحث في حجته. قل إنه مرتد. وإذا دعا إلى الحرية، فاتهمه بأنه يريد هدم الدين.
وهكذا يتحول الحوار من: ما صحة الفكرة؟ إلى: ما حكم صاحبها؟ وهذه ليست ثقافة دين. هذه ثقافة إلغاء.
والنتيجة أن المجتمع السوداني خسر فرصة تاريخية لقراءة أحد أكثر مشروعات الفكر الإسلامي السوداني أصالةً وجرأةً، بينما كان أصحاب الشعارات السياسية يصعدون درجات السلطة.
والكيزان لم يسرقوا الدولة وحدها، بل سرقوا شيئاً أخطر: سرقوا حق السوداني في التفكير.
حين جعلوا أنفسهم أوصياء على الدين، جعلوا أنفسهم أوصياء على الضمير. وحين احتكروا الحديث باسم الإسلام، حاولوا احتكار تعريف المسلم نفسه. فأصبح المسلم عندهم هو من يوافقهم. والمخالف لهم مشكوك في إسلامه. وهنا يتحول الحزب إلى طائفة، والطائفة إلى سلطة، والسلطة إلى عقيدة.
ومن يعارض العقيدة يُعاقب. وهكذا يغلق الاستبداد الدائرة كاملة.
والسؤال الأكثر إيلاماً لنا: هل كان لا بد أن نمر بهذه التجربة؟ ربما. فهل كُتب على السودان أن يتعذب، وأن الخراب قدرٌ لا فكاك منه؟ وربما لأن الشعوب أحياناً لا تتعلم من التحذير، فتتعلم من التجربة.
ولقد كان السؤال قديماً: ماذا سيحدث لو حكم الإسلاميون؟ أما بعد التجربة القاسية، فالسؤال الذي ينبغي أن يطارد ضميرنا هو: ماذا كان يمكن أن يكون السودان لو لم يحكمه الإسلام السياسي؟
فلا يستطيع أحد أن يعيد التاريخ ليجيب. لكننا نستطيع أن نرى ما حدث. ونستطيع أن نقارن بين الشعارات والنتائج.
فالميزان الحقيقي لأي مشروع سياسي ليس عدد الخطب التي ألقاها، ولا عدد الآيات التي استشهد بها، ولا كثرة الذين هتفوا باسمه. الميزان هو الإنسان.
هل عاش آمناً؟ هل أكل كريماً؟ هل تعلّم؟ هل امتلك حريته؟ هل استطاع أن يختلف دون أن يُقتل؟ هل استطاع أن يسأل دون أن يُكفَّر؟ هل استطاع أن يحب وطنه دون أن ينتمي إلى حزب بعينه؟
إذا كانت الإجابة لا، فليست كثرة الشعارات هي التي تنقذ المشروع.
السودان لا يحتاج إلى من يتاجر له بالإسلام. السودان يحتاج إلى أن يسترد دينه من أيدي المتاجرين به. يحتاج إلى أن يسترد الإسلام من سوق السياسة. وأن يسترد السياسة من احتكار رجال الدين. وأن يسترد الإنسان من الخوف.
فالإسلام الذي نحبه لا يحتاج إلى حزب يحرسه. والنبي الذي نحبه لا يحتاج إلى تجار شعارات يتحدثون باسمه. والقرآن لا يحتاج إلى جهاز أمني يحميه.
الذي يحتاج إلى الحماية هو الإنسان. يحتاج إلى الحرية. إلى التعليم. إلى الخبز. إلى العدالة. إلى دولة لا تسأله: من أنت دينياً أو حزبياً؟ بل تسأله: ما حقك كمواطن؟
وهنا، ربما، يبدأ السودان الجديد.
أما الأستاذ محمود… فربما آن لنا أن نعتذر له. ليس اعتذاراً شخصياً لرجل رحل. بل اعتذاراً للتاريخ. أن نقول إننا لم نقرأه حين كان ينبغي أن نقرأه. وأننا صدقنا الذين خوّفونا منه أكثر مما صدقنا عقولنا. وأننا تركنا الرجل الذي حذّرنا من النار، ثم ذهبنا بأقدامنا إليها.
واليوم، بعد أن احترق البيت، ربما بدأنا نفهم لماذا كان يصر على أن الحرية هي الطريق إلى المسؤولية، وأن الدين في جوهره ليس قهراً للإنسان وإنما ترقية له.
لقد كان السؤال أمامنا منذ زمن بعيد. لكننا لم نسمعه. واليوم، بعد كل هذا الخراب، لا ينبغي أن نكرر الخطأ.
آن أوان أن نتعلم
يا شعب السودان… لقد جُرّبت فينا تجارة الدين حتى الثمالة. رأينا الحزب حين لبس العمامة. ورأينا السياسة حين استعارت قداسة الدين. ورأينا كيف يمكن لشعار جميل أن يخفي وراءه مشروعاً للسلطة. ورأينا كيف يمكن أن يتحول حب النبي إلى ورقة انتخابية، وحب الإسلام إلى بطاقة عضوية، والخوف على الدين إلى سوطٍ على ظهور الناس.
فماذا بقي بعد كل ذلك؟
بقي أن نفتح عيوننا. أن نقرأ. أن نفكر. أن نختلف دون أن نتقاتل. أن نحترم الدين دون أن نسلّمه للسياسيين. أن نحترم الإسلام دون أن نحول المسلمين إلى قطيع. وأن نعيد للإنسان السوداني كرامته التي أُهدرت باسم كل شيء: باسم الدين، وباسم الوطن، وباسم الأمن، وباسم الثورة.
أما الذين جعلوا من الإسلام تجارةً ومن السلطة غنيمة، ثم دفعوا البلاد إلى هذا الخراب، فالتاريخ سوف يضعهم في موضعهم.
لعنةُ التاريخ على كل من اتخذ الدين مطيةً إلى السلطة، وعلى كل من جعل الإيمان ستاراً للظلم، وعلى كل من صادر عقل الإنسان باسم الله.
أما الله، جلّ وعلا، فليس بحاجة إلى تجارتهم. والإسلام ليس ملكاً لهم.
والسودان ليس مزرعةً لتنظيم. والإنسان السوداني ليس تابعاً لأحد.
آن للسوداني أن يسترد عقله.
فحين يسترد الإنسان عقله، يسترد دينه من المتاجرين به، ويسترد وطنه من المستبدين به، ويسترد مستقبله من الذين سرقوا منه الماضي والحاضر معاً.
وحينها فقط، يكون قد بدأ الخروج الحقيقي من هذا الدرك السحيق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.