بين البقاء والانهيار
ربما لا يكون السؤال الصحيح اليوم:
من انتصر في الحرب؟
بل:
ماذا بقي فينا بعد كل هذه الحرب؟
كم بقي من المروءة؟
كم بقي من الثقة؟
كم بقي من احترام حياة الإنسان؟
وكم بقي من ذلك السودان الذي كان الجار فيه يعرف جاره، ويستحي من ظلمه قبل أن يخاف من القانون؟
الحرب الطويلة لا تقتل الحاضر فقط؛ إنها تكتب، من دون أن نشعر، الشخصية الأخلاقية للمستقبل.
ولهذا فإن استمرار الحرب لا يعني مزيداً من القتلى والنازحين والخراب فحسب، بل يعني احتمال أن يكبر جيل كامل وهو يحمل تعريفاً مختلفاً للقوة، والحق، والنجاة، والآخر.
وهنا تصبح المعركة الحقيقية أكبر من السيطرة على مدينة أو طريق.
إنها معركة على الإنسان السوداني نفسه.
فإذا انتهت الحرب غداً، يمكن إعادة بناء بيت سُرق، وسوق احترق، وطريق دُمّر.
لكن كيف نعيد بناء قلب طفل تعلّم طوال سنوات أن العالم لا تحكمه الرحمة، وإنما القوة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودان الآن، قبل أن يصبح الجيل الذي تربى في الحرب هو الجيل الذي سيبني السودان بعد الحرب.
فالمستقبل لا يُبنى بالخرسانة وحدها.
إنه يُبنى أيضاً بالثقة.
وبالإحساس بالعدالة.
وبالقدرة على الاختلاف دون قتل.
وباحترام ملكية الآخر حتى عندما يكون فقيراً أو نازحاً أو مختلفاً في الرأي أو الانتماء.
وبالإيمان بأن الجار ليس غنيمة، وأن البيت الذي تركه صاحبه هارباً من الحرب ليس مباحاً، وأن ضعف الإنسان لا يلغي حقوقه.
لقد كشفت الحرب السودانية هشاشة الدولة، لكنها كشفت أيضاً قوة المجتمع حين يختار التضامن، وخطورته حين يستسلم للخوف والكراهية والتبرير.
وبين الصورتين يقف مستقبل السودان.
فإما أن تتحول التجربة المريرة إلى درس تاريخي يعيد الاعتبار للقانون والعدالة والتكافل، وإما أن تتحول إلى ذاكرة مشوهة يتوارثها جيل بعد جيل.
ولذلك فإن الحديث عن إعادة الإعمار يجب ألا يبدأ بالإسمنت والطرق والكهرباء فقط.
يجب أن يبدأ بالإنسان.
بالطفل الذي يحتاج إلى مدرسة.
بالأسرة التي تحتاج إلى أمان.
بالنازح الذي يحتاج إلى بيت وحق.
وبالجار الذي يحتاج إلى أن يشعر من جديد بأن الباب المجاور ليس مصدراً للخطر.
إن السودان الذي نريده بعد الحرب لن تصنعه الاتفاقيات وحدها، ولا الجيوش وحدها، ولا النخب السياسية وحدها.
سيصنعه أيضاً ملايين السودانيين الذين يقررون، في تفاصيل حياتهم اليومية، ألا يسمحوا للحرب بأن تحدد أخلاقهم.
أن يقول أحدهم: هذا المال ليس لي.
وأن يقول جار: لن أترك جاري وحده.
وأن يقول معلم: سأعلّم هذا الطفل حتى لو تعطلت المدرسة.
وأن يقول طبيب: سأعالج هذا الإنسان لأنه إنسان.
وأن يقول مجتمع بأكمله: لا، لن يصبح القتل عادياً، ولن يصبح النهب حقاً، ولن يصبح الاختلاف سبباً لنزع إنسانية الآخر.
هناك، ربما، يبدأ الانتصار الحقيقي.
ليس انتصار طرف على طرف، ولا سيطرة مدينة على أخرى، وإنما انتصار الإنسان على أسوأ ما يمكن أن تفعله الحرب به.
فالحرب قد تسرق البيوت.
وقد تسرق الأرض.
وقد تسرق سنوات من أعمار الناس.
لكن الخطر الأكبر أن تسرق منا قدرتنا على رؤية بعضنا بعضاً كبشر.
وحين يسرق الجار جاره، لا يكون المسروق بيتاً أو مالاً فقط.
قد يكون المسروق شيئاً أعمق:
ذلك السودان الذي كان الجار فيه سنداً لجاره.
وهنا تحديداً تبدأ مسؤوليتنا في إنقاذ ما تبقى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.