مع كل إعلان لنتائج الشهادة الثانوية السودانية، تتوجه الأنظار بشغف نحو لوحة الشرف وأسماء الأوائل.
لكن خلف زغاريد الفرح المبتورة، تختبئ المأساة الكبرى التي باتت تؤرق كل بيت سوداني.
أين المدارس الحكومية من نسب النجاح العالية؟
أين اختفت قلاع العلم التي خرجت الأجيال وقادت الدولة لعقود؟
الإجابة الصادمة تتجلى في قوائم الأوائل التي احتكرتها المدارس الخاصة بالكامل، ليبقى السؤال الحارق يتردد في أذهان الملايين: هل أصبح حق التفوق حكرًا على أبناء المقتدرين ماديًا فقط؟
وإلى أين يذهب أبناء الكادحين في هذا الوطن؟
إن الواقع التعليمي في السودان يمر بمرحلة انهيار كارثي يهدد الهوية المعرفية للبلاد.
المدارس الحكومية، التي كانت يومًا رمزًا للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، تحولت اليوم إلى جدران متصدعة وفصول خاوية تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية. هذا التدهور لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لسياسات التهميش المتعمد. فميزانية التعليم في أضعف حالاتها، وبات واضحًا أن التعليم ليس مدرجًا في قائمة أولويات الدولة.
وفي قلب هذه المأساة يقف «الأستاذ» ـ صانع الأجيال ـ غريبًا ومهمشًا. كيف نطالب المعلم بالعطاء والتميز وهو يعيش تحت خط الفقر؟
إن عدم الاهتمام بالأستاذ وضآلة راتبه، الذي لا يكفي لسد رمق عيشه لأيام قليلة، هي الجريمة الكبرى في حق هذا الوطن.
عندما يُجبر المعلم على البحث عن مهن أخرى ليعول أسرته، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك تدنيًا حادًا في التحصيل الأكاديمي للطلاب، وزيادة مخيفة في معدلات الفاقد التربوي.
وأمام هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال يبحث عن إجابة: لماذا لم يخجل وزير التربية والتعليم وهو يرى انهيار القطاع الحكومي؟
كيف يقف مسؤول على منصة إعلان النتائج ليفتخر بنجاحات حققتها أموال أولياء الأمور في المدارس الخاصة، بينما المدارس التي تديرها وزارته وتدّعي مجانيتها تقبع في ذيل القائمة؟
أليس من العار أن يتنصل المسؤول عن واجبه، ويترك التعليم لقمة سائغة للاستثمار والتجارة؟
إن هذا التفاوت الطبقي الحاد في التعليم ينذر بكارثة مجتمعية، حيث يُحرم الطالب الفقير والموهوب من حقه الطبيعي في التميز، لمجرد أن والده لا يملك الرسوم الفلكية للمدارس الخاصة.
إننا أمام معادلة مقلوبة: «ادفع لتتعلم وتتفوق، أو ابقَ في ظلمات الجهل إن كنت فقيرًا».
أسئلة حائرة تبحث عن ضمير حي:
إلى متى تظل ميزانية التعليم مجرد أرقام هامشية في دفاتر الدولة؟
هل تحولت وزارة التربية والتعليم إلى راعٍ رسمي للتعليم الخاص على حساب مدارس الشعب؟
إذا كان التفوق والتحصيل العالي قد أصبحا لمن استطاع إليه سبيلًا ماديًا، فما هو مصير ملايين العقول الذكية التي طحنها الفقر؟
متى تدرك الدولة أن الاستثمار في المعلم والبيئة المدرسية هو الخط الأول للدفاع عن مستقبل السودان؟
إن إصلاح هذا الخلل الشديد لا يحتمل التأجيل. يحتاج السودان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة حقيقية في قطاع التعليم، تعيد للمدارس الحكومية هيبتها، وتضع المعلم في المكانة التي تليق به، وتنقذ أبناء الكادحين من شبح الضياع والجهل، ليعود التعليم حقًا مكفولًا للجميع، بالعدل والكفاءة، لا بالمال والنفوذ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.