حين يتحول الإعلام من منصة للتحقق إلى غرفة عمليات للدفاع السياسي
تقارير طبية وقانونية وتحقيقات دولية متزايدة تحدثت عن مؤشرات على استخدام الجيش لأسلحة كيميائية، بما فيها استخدام قنابل الكلور الحارقة في مناطق بدارفور وكردفان وجبل موية، ومصفاة الجيلي، وبعض مناطق الخرطوم، كما استُخدمت في عام 2003 بدارفور وجنوب كردفان. لم يعد السؤال مجرد مادة للمزايدات السياسية أو السجالات الإعلامية، وإنما أصبحت قضية تستوجب تحقيقاً مستقلاً قادراً على الوصول إلى الأدلة وفحصها علمياً وتحديد المسؤولية.
وفي قضية بهذه الخطورة، لا تكفي بيانات النفي، ولا حملات العلاقات العامة، ولا الضجيج الذي تمارسه المنابر المؤيدة للحرب. فالاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية لا تُحسم بالهتافات ولا بالتراشق الإعلامي، وإنما بالأدلة الميدانية، والفحوصات المخبرية، وشهادات الضحايا والشهود، وتحقيقات الخبراء الدوليين المختصين.
في قضية بالغة الخطورة، مثل الادعاءات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، لا يمكن أن تكون الحملات الإعلامية بديلاً عن التحقيق، ولا أن يحسم الهتاف ما يجب أن تحسمه الأدلة.
إن تأكيد أو نفي استخدام الأسلحة الكيميائية ليس مهمة حملات العلاقات العامة، ولا جوقات النفي السياسي، ولا المنابر التي تتحرك وفق اصطفافات الحرب. فمثل هذه القضايا لا تُثبت في شوارع الطائف أو الرياض، ولا عبر أبواق الحرب ومنصات التطبيل، وإنما تحتاج إلى خبراء دوليين مستقلين، وأدلة ميدانية موثقة، وعينات تُجمع وفق المعايير المعتمدة، وفحوصات مخبرية، وتحقيق مهني قابل للتدقيق.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت الجهات المعنية واثقة من براءة ساحتها، فلماذا الخوف من لجنة تحقيق دولية مستقلة؟
الطريق الأكثر وضوحاً لنفي الاتهام ليس مهاجمة من يطرحه، بل فتح المجال أمام الخبراء الدوليين للوصول إلى المواقع المعنية، وفحصها، وجمع الأدلة والعينات، والاستماع إلى الشهود، ومقارنة الروايات بالوقائع، وإخضاع كل ذلك للفحص العلمي والقانوني.
فالأسلحة الكيميائية، إن ثبت استخدامها، ليست مجرد تفصيل في حرب إعلامية، إنها مسألة بالغة الخطورة تستوجب أعلى درجات التحقق والمساءلة. وفي المقابل، فإن إطلاق الاتهام من دون أدلة موثوقة لا يخدم الحقيقة أيضاً.
الحقيقة لا تُحسم بالهتاف، ولا تُدفن بالنفي.
لكن اللافت هو أن بعض المنابر التي دعمت خطاب الحرب، وروّجت لسردياتها، واصطفت طويلاً خلف أطرافها، تتحول اليوم إلى منصات تعبئة إعلامية شرسة كلما طُرحت أسئلة حول الانتهاكات المحتملة.
وهنا تكمن المشكلة:
لماذا يصبح السؤال جريمة؟
ولماذا يتحول طلب التحقيق إلى اتهام بالخيانة؟
ولماذا تُستبدل الإجابة عن الأسئلة بحملات تشويه تستهدف من يطالب بالتحقق؟
إن كانت الاتهامات بلا أساس، فليكن التحقيق هو الفيصل. وإن أثبتت الأدلة عدم وقوعها، فستكون تلك النتيجة أقوى من آلاف البيانات والتغريدات ومقاطع التعبئة الإعلامية.
أما تحويل القضية إلى معركة علاقات عامة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك.
وكما يقول أهلنا في السودان: «شجرة كم هوزازي.. يا أبلاي يا هبوباي»؛ فكلما اشتدت الجلبة، ازداد السؤال إلحاحاً: ما الذي تخشونه من التحقيق؟
المطلوب ليس محاكمة إعلامية، ولا تبرئة سياسية، ولا إدانة مسبقة. المطلوب ببساطة أن تتكلم الأدلة.
دعوا الخبراء يدخلون الميدان.
دعوا المختبرات تفحص العينات.
دعوا الشهود يتحدثون.
ودعوا التحقيق المستقل يحدد المسؤولية.
فالإعلام المهني لا يحرس رواية طرف في الحرب، بل يحرس حق الجمهور في معرفة الحقيقة.
أما إعلاميات الحرب، فعليها أن تدرك أن مهمتها ليست دفن الأسئلة، ولا تلميع البنادق، ولا صناعة رواية جاهزة للجمهور، وإنما البحث عن الحقيقة ونقلها بمهنية، حتى عندما تكون الحقيقة موجعة لكل الأطراف.
إن كنتم واثقين من براءتكم، افتحوا الأبواب أمام التحقيق.
فالحقيقة لا تخاف المختبر، ولا تخشى الخبراء، ولا تحتاج إلى أبواق.
فليأتِ التحقيق الدولي… ولتتكلم الأدلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.