الجميل الفاضل يكتب: ١١ سبتمبر.. العالم لربعِ قرنٍ على كفِّ هذا القدر؟!
بين ثلاثاءٍ معتم، وجمعةٍ مشرقة، جرى نهر الزمان.
خمسةٌ وعشرون عاماً حملت مياهها دماءً وغباراً، وتهشّمت معاقل، وسقطت أقنعة كانت تظن نفسها وجوهاً.
في الثلاثاء البعيد، كنتُ بين هدير المطابع وحبرٍ لا يزال دافئاً، أشرف على عددٍ خاص من صحيفة «الحرية» بالسودان، أكتب افتتاحيةً قصيرة، تحت عنوانٍ رئيس للصحيفة كان يومها مثيراً جداً: «أفعى الإرهاب تلدغ قلب أمريكا».
كانت تلك عيني آنذاك: عينَ المخبر الصحفي.
وبها، رأيتُ الطائرة، والبرج، والنار، والدخان، وطاردتُ الخبر في لحظة ولادته، وأحصيتُ مع رفاقي ما استطاعت العين أن تحصيه من ضحايا الواقعة.
لكنني لم أكن أرى ما وراء الدخان.
لم أكن أعرف أن بعض الأحداث لا تُقرأ في يومها، وأن ما يبدو انفجاراً في مكان قد يكون زلزالاً يمشي في الزمن.
اليوم، أعود إلى الثلاثاء ذاته بعد ربع قرن، لكنني لا أعود بالعين ذاتها.
فالمداد الذي كان يطارد الخبر تَعَتَّقَ في معاصر الزمن، والعين التي كانت ترصد الدخان تعلمت ــ قليلاً ــ أن تخترق غبار السنين.
صار السؤال عندي أقل تعلقاً بمن فعل ولماذا فعل؟، وأشد تعلقاً بما قد انكشف في ما وراء ما انكشف.
فما كل سقوطٍ سقوطَ شيء.
ثمة سقوطٌ تسقط فيه الصورة عن صاحبها، والاسم عن مسمّاه، والقناع عن الوجه.
وثمة سقوطٌ أبعد: أن ينقلب الإمهال موعداً، والتمكين امتحاناً، والقوة شاهداً على ضعفها.
ومن هنا، ربما يبدأ معنى ذلك الثلاثاء
بعد خمسة وعشرين عاماً.
فقد كان العالم كله يحدق مذهولاً يومها إلى البرجين.
ثم مضى ربع قرن حتى بدأت الأبراج الأخرى تظهر في المشهد؛ أبراج القوة، وأبراج الأيديولوجيا، وأبراج الوهم.
سقط وهم المنعة المطلقة لدى الجهة التي ظنت أن حصونها تجعلها عصيّةً على السنن.
وفي الجهة المقابلة الأخرى، بدأ يسقط وهمٌ أشد خطراً: أن الدين يمكن أن يُستعار لتثبيت سلطان الإنسان، وأن الرحمة المهداة يمكن أن تُلبس عباءة البطش، ثم يُطلب من السماء أن تشهد على صور الدمار والخراب.
وكأن ربع القرن هذا كان غربالاً طويلاً، كلما انقشع غبارٌ ظهر تحته قناع، وكلما سقط قناع ظهر وجهٌ لم يكن يريد أن يظهر.
هنا، لا يعود الابتلاء مجرد عقوبة، ولا مجرد انتقام، قد يكون ضرباً من كشف أعمق.
فالسنن بطبعها لا تعجل، تترك الحبل على غارب صاحبه، والخيط على منواله كي ينسج لوحده الحبل.
ثم تترك الباب مفتوحاً حتى يذهب الداخل إلى آخر غرف الأقدار.
وتترك الإمهال يمتد الي أن يظنه صاحبه أماناً.
ثم.. ينقلب هذا الستر نفسه دليلاً.
ولعل السودان، في هذه المسافة من ربع القرن ذاته، لم يكن بعيداً عن هذه المرآة.
هناك، في السودان، يمكن للعين أن ترى كيف يطول عمر القناع الي أن ينسى أنه مجرد قناع.
وكيف يمكن لعبارةٍ صغيرة من ثمانية كلمات، قيلت بغفلة، هكذا: «اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السجن حبيساً»، بدت في يومها كأنها حيلةً سياسية ماكرة، قبل أن يكشف الزمن أن وراءها باباً آخر: هو باب الخديعة.
عموماً، فإذا طال استعمال القناع، حسب القناع نفسه وجهاً.
ثم تأتي الحرب، فتحرق الديكور، ولا تسأل الرايات عن ألوانها، ولا الشعارات عن أسمائها، بل تسألها عن أثرها: ماذا فعلتم بالإنسان؟ وماذا فعلتم بالأرض؟ وماذا فعلتم باسم الله؟، وهنا، ربما تتصل نيويورك بالخرطوم عبر خيطٍ رفيعٍ، لا تراه وقتها عين الخبر.
فالمسألة ليست أن في السودان نسخةً من ١١ سبتمبر، ولا أن الحادثتين سواء.
لكن السنن التي تكشفها الأحداث الكبرى لا تعرف مثل هذه الحدود.
فإذا اختلط المقدس بالسلطة، واختلطت الدعوى بالدم، واختلطت الراية بالسيف، جاء يومٌ لا تقرأ فيه السنن اللافتات، إنما تقرأ فقط آثارها.
وفي السودان، ربما كانت هذه الحرب نفسها آخر أبواب هذا الكشف المستمر.
فهي لا تخفي شيئاً إلى الأبد، تحرق الواجهة، وتسقط الجدران، لتكشف من كان ينتحل اسم السماء وهو يضرب الأرض.
وعندها لا يعود السؤال: من ربح الحرب؟ لكن: من بقي له وجه بعد أن احترقت كل الأقنعة؟ وهذا، ربما، هو الوجه السوداني من درس ربع القرن.
أن سقوط الأقنوم المزيّف، لا يبدأ حين يُهزم سياسياً فقط؛ إنما حين تنكشف الخديعة التي جعلته ممكناً، وحينها لا يحتاج الحق إلى أن يهدم الباطل، يكفي أن يطلع عليه فحسب.
لقد بدأتُ هذا الطريق بعين المخبر الصحفي، أرصد دخاناً يتصاعد من برجين.
أما اليوم، فأقف عند آخر المشهد وأحاول أن أرى الغبار الذي تركه الدخان وهو يعبر ربع قرن.
من نيويورك، إلى أفغانستان، والعراق، ثم أخيراً إيران، ومن انهيارات القوة إلى ارتدادات الأيديولوجيا، ومن سؤال الخوف من الإسلام إلى سؤال الاحتياج إلى روحه، ومن ذلك كله إلى السودان الذي يقف الآن عند أعتاب امتحانه الخاص: من يحكم؟ كيف يحكم وبأي روحٍ سوف يُحكم؟، فربما لم يعد السؤال السوداني هو سؤال السلطة وحدها.
بل سؤال الوجه الذي ستخرج به السلطة من تحت القناع.
فالسلطة التي لا تتأسس على الحق قد تبدو قويةً زمناً، لكن القوة، حين تنفصل عن الحق، ليست إلا ضعفاً مستتراً ينتظر ساعة سفوره كما نري.
وهكذا أضع قلمي اليوم على ورقة هذه الجمعة، لا لأطارد أفعى في الخلاء، فقد رأيتُ الأفعى يوم كان الدخان كثيفاً، ولا لأعيد عدَّ الطائرات وجثث الضحايا، فذلك عمل عين المخبر، وقد أدته العين يومها بما استطاعت.
أما اليوم، فقد صار عليّ أن أفعل شيئاً آخر: أن أخترق سحب الدخان والغبار، كي أرى ما بقي بعد أن سقطت الأشياء عن أسمائها، أن أرى السنن وهي تعمل من غير ضجيج.
وأن أرى العالم كله، بجبروته وضعفه، بحروبه وسلامه، بأوهامه ويقينه، يمر منذ ربع قرن كأنه شيء صغير على كف هذا القدر الكبير.
وبالطبع لست أدعي أنني أعرف سر الكف، فالقدر أوسع من أن تحيط به عين، لكن العين التي نضجت مع الزمن تعلمت شيئاً واحداً: أن ما يبدو في لحظته نهايةً، قد يكون هو بداية الكشف الحقيقي.
وبالتالي فإن ما يُظن تمكيناً، قد يكون إمهالاً، وأن ما يبدو ستراً قد يتحول، ذات يوم، هو نفسه إلى دليل إثبات.
فمن عاش طويلاً بالخديعة، يأكله لا محالة انكشافها، وما قام تحت ستر الظلام سيسقط متى سُلِّط عليه النور.
المهم، ربما كان هذا هو الخبر الذي تأخر خمسةً وعشرين عاماً حتى استطاعت عيني أن تراه: أنني يومها كنت أرصد الدخان، أما الآن، فأحاول أن أرى ماذا كانت تخبيء يد القدر وراء ذلك الدخان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.