جباية الحرب… هل يدفع السودانيون ثمن معارك لم يختاروها؟

تقرير: عين الحقيقة

في وقت يرزح فيه السودانيون تحت واحدة من أقسى الأزمات المعيشية والاقتصادية في تاريخ البلاد، تتجه سلطات الأمر الواقع إلى توسيع دائرة التحصيل المالي والضريبي عبر إجراءات جديدة تستهدف قطاعات واسعة من المواطنين والتجار وأصحاب الأنشطة الصغيرة.

 

وبينما تتآكل القدرة الشرائية، وتتراجع فرص العمل، وتتسع دائرتا الفقر والنزوح، تثير هذه الإجراءات أسئلة تتجاوز حدود الضرائب والرسوم، لتصل إلى السؤال الأكثر حساسية: إلى أين تذهب الأموال التي تُحصّل من مواطن أنهكته الحرب؟ وهل تتحول الجبايات المفروضة عليه إلى مورد غير مباشر لتمويل استمرار القتال؟

 

تكييف قانوني للاستنزاف الرقمي

 

يرى الدكتور عبد الرحمن العبيد، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة النيلين، أن السياسات المالية الجديدة يصعب إدراجها ضمن مفهوم الإصلاح المالي أو توسيع القاعدة الضريبية بالمعنى التنموي.

 

ويقول العبيد إن تطبيق منظومات للتحصيل الإلكتروني، من بينها الفوترة الرقمية والمفتش الآلي، في ظل انكماش اقتصادي حاد وتراجع النشاط الإنتاجي والخدمي، يعكس توجهاً جباوياً أكثر منه إصلاحياً.

 

ويضيف أن المشكلة لا تكمن في استخدام التكنولوجيا لتطوير النظام الضريبي من حيث المبدأ، وإنما في توقيت التطبيق والبيئة الاقتصادية التي يجري فيها، مشيراً إلى أن توسيع أدوات التحصيل في اقتصاد منهك قد يؤدي إلى تحميل القطاعات الهشة أعباء إضافية، بدلاً من معالجة جذور الأزمة.

 

ويحذر العبيد من أن غياب الشفافية الكافية بشأن مسارات الإيرادات العامة يجعل من الصعب على المواطنين معرفة الأولويات التي تُوجَّه إليها الأموال المحصّلة، خصوصاً في ظل ارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب وتراجع الخدمات الأساسية.

 

الهندسة السياسية للموارد

 

ولا تنفصل قضية الجباية، وفق مراقبين، عن الصراع السياسي والعسكري الذي يمزق السودان منذ اندلاع الحرب.

 

ويقول الباحث في الجماعات الإسلامية والمحلل السياسي عثمان عبد القادر إن آليات التحصيل الحالية تعيد إلى الأذهان ممارسات مالية ارتبطت سابقاً بسياسات التمكين، حيث تتحول الموارد العامة إلى أداة لتعزيز نفوذ السلطة وتمويل أولوياتها السياسية والأمنية.

 

ويرى عبد القادر أن توسيع شبكة التحصيل لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً مالياً محايداً، خصوصاً في ظل الحرب، قائلاً إن استمرار تدفق الأموال إلى خزينة السلطة يطرح تساؤلات حول كيفية توزيعها، وما إذا كانت الأولوية تذهب إلى الخدمات والإغاثة وإعادة تشغيل الاقتصاد، أم إلى النفقات العسكرية.

 

ويضيف أن المفارقة الأكثر قسوة تتمثل في أن المواطن الذي فقد منزله أو مصدر دخله بسبب الحرب قد يجد نفسه مطالباً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدفع المزيد من الرسوم والضرائب، في وقت لا يحصل فيه على الحد الأدنى من الخدمات.

 

المواطن يدفع ثمن الحرب مرتين

 

لا يتوقف المشهد الاقتصادي عند الضرائب الرسمية، إذ يواجه التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة سلسلة من الرسوم والجبايات المتعددة، بعضها يُفرض تحت عناوين مختلفة، بينما تتقلص هوامش الربح، وتتعرقل سلاسل الإمداد، وترتفع تكاليف النقل والتشغيل.

 

ويرى اقتصاديون أن الحديث عن «توسيع المظلة دون زيادة الضرائب» قد لا يعكس بالضرورة التأثير الحقيقي على المواطن؛ إذ إن زيادة عدد الجهات أو الأنشطة الخاضعة للتحصيل، إلى جانب تعدد الرسوم والإجراءات، يمكن أن تتحول عملياً إلى زيادة في التكلفة الاقتصادية.

 

وتزداد حدة المشكلة بالنسبة إلى النازحين والعائدين الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم وسط ظروف بالغة الصعوبة، في وقت تواجه فيه الأسر تراجعاً في الدخل وارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع والخدمات.

 

وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: يدفع ثمن الحرب من دخله، ثم يدفع مرة أخرى عبر تراجع الخدمات وارتفاع الأسعار والضرائب والرسوم.

 

من يدفع ومن يُعفى؟

 

السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تُحصّل، وإنما بمدى عدالة توزيع العبء المالي.

 

ففي الوقت الذي تضيق فيه دائرة التحصيل حول الأنشطة الصغيرة والمواطنين، تظل علامات الاستفهام قائمة بشأن مدى إخضاع الكيانات الاقتصادية الكبرى والشبكات التجارية المرتبطة بمراكز النفوذ للرقابة والضرائب نفسها.

 

ويرى مراقبون أن أي نظام مالي عادل يفترض أن يقوم على قاعدة واضحة: كلما اتسعت القدرة الاقتصادية، اتسعت المسؤولية المالية، لا أن يتحول صغار التجار وأصحاب الدخول المحدودة إلى الحلقة الأسهل في سلسلة التحصيل.

 

كما أن غياب المعلومات التفصيلية حول حجم الإيرادات المحصّلة، وأوجه إنفاقها، ونسبة ما يذهب إلى الخدمات المدنية مقارنة بالنفقات الأمنية والعسكرية، يترك مساحة واسعة للشكوك، ويضعف الثقة بين المواطن والسلطة.

 

اقتصاد الحرب أم اقتصاد الدولة؟

 

في النهاية، لا تبدو معركة الجباية مجرد خلاف حول الضرائب والرسوم، بل اختباراً لطبيعة الدولة نفسها في زمن الحرب.

 

فإذا تحولت الإيرادات العامة إلى وسيلة لإدامة القتال بدلاً من حماية المجتمع وإعادة تشغيل الاقتصاد، فإن الاقتصاد يصبح جزءاً من آلة الحرب، ويصبح المواطن ممولاً قسرياً لأزمة هو أول ضحاياها.

 

أما إذا كانت السلطات جادة في بناء اقتصاد قادر على التعافي، فإن الأولوية يفترض أن تتجه إلى حماية الإنتاج، وتخفيف الأعباء عن أصحاب الأعمال الصغيرة، وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، وتوسيع قاعدة الإيرادات بصورة عادلة وشفافة، مع إخضاع الإنفاق العام للرقابة والمساءلة.

 

وبين «الإصلاح المالي» و«اقتصاد الجباية» مسافة كبيرة، لا يحسمها الخطاب الرسمي، وإنما تحددها وجهة الأموال في نهاية المطاف.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام السلطات: هل تُجمع أموال السودانيين لإنقاذ اقتصادهم المنهك، أم لتمويل حرب دفعت بهم أصلاً إلى الفقر والنزوح والانهيار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.