جرح الشرايين المنسية.. المسار التاريخي لمشروع السوكي الزراعي بين أحلام التأسيس وعثرات الهيكلة
بقلم:طارق محمد أحمد الفكي
تتسرب أوجاع السنين من بين شقوق أرض عطشى، حيث يتربع مشروع السوكي الزراعي الواقع في ولاية سنار بوسط السودان، بين ضفاف نهري النيل الأزرق والدندر، كشاهدٍ على حكاية وطنٍ ينزف في عقر داره. لقد وُلد هذا المشروع مطلع سبعينيات القرن الماضي (تحديداً في عام 1970) بوصفه حلماً دافئاً وملاذاً آمناً لاستقرار الرحل، ومصدر نماء يروي حقول “الحواشات” بالمحاصيل والخيرات، لتستقر به العائلات في مراكز حضرية منتجة تنبض بالحياة، ولتزدهر الثروة الحيوانية وتينع المحاصيل الاستراتيجية على مساحة مترامية تبلغ نحو 120 إلى 130 ألف فدان، معتمداً على نظام ري صناعي دمج الطلمبات والقنوات لِيُخرج القطن، والفول السوداني، الذرة الرفيعة، وزهرة الشمس. غير أن طموحات السبعينيات تبددت بمرارة، وتحولت الأحلام الكبرى إلى صدمة قاسية وتاريخ طويل من الخذلان المتراكم الذي ترك آثاره الغائرة على أرواح المزارعين وأرضهم.
المسار التاريخي لاتحادات المزارعين وتظيمات أصحاب مهن الإنتاج
لقد انكسر صوت المزارع البسيط منذ وقت طويل، وتكسرت نضالاته على صخرة الخذلان. ففي الفترة بين (1945 – 1953)، كانت الحركات النضالية وإضرابات المزارعين الشجعان (مثل مزارعي الجزيرة ) تمثل درعاً حصيناً ينتزع الحقوق العادلة ويرفع حصص الأرباح ويؤسس لكرامة الإنسان. غير أن تلك الكيانات تهاوت تدريجياً عبر العقود اللاحقة، وتحولت تحت وطأة الوصاية الحكومية والتسييس المقيت وغياب الديمقراطية إلى هياكل جوفاء تائهة في دهاليز البيروقراطية، صعدت إليها قيادات بعيدة كل البعد عن هموم الحقل وتربة الأرض المشتعلة بالشقاء. ومع انهيار المشاريع المروية وتراكم الديون الثقيلة كالجبال على أعناق المزارعين، جاء بعدها قانون أصحاب مهن الإنتاج ليُعلن فصلاً جديداً من المأساة؛ لم يُحدث أي تغيير حقيقي أو إصلاح يرفع الظلم، بل زاد الوضع تشتتاً وتمزقاً، وأفرز كيانات فوقية عاجزة عن حماية قواعدها المكلومة، لتترك حماة الأرض وحدهم يواجهون طاحونة التعثر والفقر والضياع.
التحول المؤسسي وظلال الخصخصة
وتعمقت المأساة حين طالت رياح “الخصخصة” البائسة جسد المشروع المنهك؛ فتحولت المؤسسة الأم إلى “هيئة زراعية” مجردة من روحها، وانسحبت الدولة تماماً من واجباتها في توفير المدخلات ودعم الإنتاج. وجد المزارع نفسه وحيداً فريداً يصارع أمواج القهر وسط تحول غير مدروس ألقى بالعبء المالي كله على كاهل الفرد المنهك. لقد أدى هذا التخبط المأساوي إلى تدهور مروع في البنى الأساسية، وفشل ذريع في قنوات الري ومحطات الضخ، ليتم إخراج مساحات شاسعة من الدورة الزراعية، وتتحول الحقول الخضراء الواسعة إلى أراضٍ جرداء تبكي أهلها الذين هجروها مرغمين بحثاً عن بقايا لقمة عيش كريمة.
واقع المسؤولية المجتمعية والخدمات الغائبة منذ 1970
والأمر الأكثر إيلاماً ومرارة هو أن المسؤولية المجتمعية ظلت حبراً على ورق طوال تاريخ المشروع منذ عام 1970، إذ لم يُنجز منها شيء يُذكر على أرض الواقع، وبقيت الوعود والتعهدات مجرد أوهام تتبخر مع كل موسم زراعي بائس:
الطرق والبنية التحتية: ظلت الطرق الترابية المتهالكة الرابطة بين الحقول والقرى (كمناطق شرق سنار وطريق ود تكتوك سنار) وعرة وموحلة تنقطع كلياً في مواسم الخريف، عازلةً الأهالي في سجن كبير من العزلة والانقطاع، بلا أي بصمة صيانة أو تعبيد من إدارات تعاقبت بلا ضمير.
القطاع الصحي والبيطري: غابت المستشفيات والمراكز العلاجية والمستوصفات الثابتة التي وُعد بها الرحل والمزارعون، وتركت التجمعات السكانية تواجه الموت والمرض ونقص الرعاية الصحية والبيطرية بلا سند أو مغيث.
التعليم والخدمات: عجزت الإدارات المتعاقبة عن بناء أي بيئة خدمية تليق بالبشر، لتواجه القرى الزراعية شحاً قاتلاً في مياه الشرب النقية، ومدارس أساسية مهدمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
إن رحلة مشروع السوكي الزراعي من حلم التأسيس في السبعينيات إلى واقعه الحالي المؤلم تكشف عن أزمة إدارة وهيكلة عميقة تدمي القلوب؛ فبين تعثر تنظيمات المزارعين وقوانينها المشتتة وتصدعهم، وتداعيات الخصخصة وتحويله إلى هيئة عاجزة ميتة، والغياب التام لأبسط مقومات المسؤولية المجتمعية والإنسانية، يظل هذا الشريان المكلوم ينزف بانتظار معجزة إنقاذ وعدالة غائبة تعيد الروح لأرض طال عليها ليل الجفاء والخذلان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.