لم يعد المواطن يواجه الحرب وحدها، بل حرباً أخرى على مائدة الطعام، وفي الصيدليات، والأسواق، ووسائل المواصلات. الجنيه ينهار، والأسعار تشتعل، والغذاء يزداد بُعداً عن متناول الأسر، والدواء يتحول إلى سلعة نادرة، فيما تتراجع الخدمات الأساسية بصورة قاسية.. وفي مشهد يعكس عمق الانهيار الاقتصادي، واصلت أسعار الدولار في السوق الموازي الصعود، متجاوزة حاجز 8 آلاف جنيه للدولار خلال منتصف سبتمبر، في وقت تتآكل فيه قيمة الجنيه وتتضاعف كلفة الغذاء والدواء والمعيشة.
فيما تُقدَّر إنتاجية السودان من الذهب بنحو 70 طناً، بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، تشير التقديرات إلى خروج كميات ضخمة عبر التهريب، إلى جانب التهرب من إعادة حصائل الصادر، بينما لم يتجاوز ما دخل إلى خزينة الدولة مليار دولار، في فجوة تكشف حجم الخلل في إدارة أحد أهم موارد البلاد.
فإن شماعة أن 70% من الاقتصاد تسيطر عليه قوات الدعم السريع لا تُطعم جائعاً ولا تُعيد للجنيه قيمته. ومع كل ضربة جديدة للاقتصاد، تُسارع حكومة بورتسودان إلى تعليق الانهيار على الحرب، بينما يواصل المواطن دفع الفاتورة من قوته ودوائه ولقمة عيشه. والحرب بالفعل دمّرت الاقتصاد وأشعلت أزمة الجوع، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 20 مليون سوداني يواجهون الجوع.
لكن السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت ركام البيانات: أين تذهب ثروات السودان، ومن يدير اقتصاد الذهب؟ فبلد غني بالموارد لا يمكن أن يكون نصيب مواطنيه الجوع والدواء المفقود.
وفي قلب المشهد يقف الإسلاميون وحلفاؤهم، الذين ظل نفوذهم السياسي والاقتصادي موضع جدل واسع داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار، وهي قوى لطالما ارتبط اسمها في الساحة السياسية السودانية بشبكات المصالح والاقتصاد السياسي للنظام السابق، قبل أن تعيد الحرب إنتاج نفوذها وأدوارها بأشكال مختلفة، بينما تبدو حكومة بورتسودان عاجزة عن تقديم إجابات تقنع المواطن بأن ثروات البلاد تُدار لمصلحته.
المشكلة ليست في شماعة جاهزة اسمها الدعم السريع، المشكلة في اقتصاد حربٍ تتداخل فيه السلطة والمصالح والذهب. والمطلوب ليس مزيداً من الاتهامات، بل كشف المال، وفتح ملفات الفساد والتهريب والاحتكار، ومحاسبة كل من استفاد من خراب السودان.
ومع كل هذا الانهيار، تحاول حكومة بورتسودان تقديم رواية تختزل الأزمة في شماعة واحدة: «الدعم السريع».
هذه محاولة للهروب من المسؤولية السياسية عن واقع اقتصادي يزداد سوءاً تحت إدارة السلطة القائمة في مناطق سيطرتها.
السودان بلد غني بالذهب والموارد، لكن المواطن لا يرى ثروة بلاده في حياته اليومية. يرى فقط ارتفاع الأسعار، وانهيار العملة، ونقص الغذاء، وتراجع الصحة والتعليم والكهرباء والمياه.
لقد عرف السودانيون طويلاً كيف تتحول الأزمات إلى فرص لتجار الأزمات، فكلما ضاق الخناق على المواطن، ظهرت شبكات تستفيد من الفوضى والندرة والتهريب والاحتكار.
اليوم، المواطن هو الحلقة الأضعف. هو الذي يدفع ثمن انهيار الجنيه، بينما تتآكل مدخراته. وهو الذي يدفع ثمن التضخم، بينما تتضاعف تكلفة حياته.
وهو الذي يبحث عن الدواء، بينما تتراجع الخدمات الصحية.
وهو الذي يقف في الأسواق أمام أسعار لا يستطيع مجاراتها.
هذه ليست حياة كريمة، وليست إدارة اقتصادية يمكن الدفاع عنها بالشعارات.
نعم، الحرب كارثة اقتصادية بكل المقاييس، وقد دمرت وأصابت الإنتاج والبنية التحتية والأسواق والخدمات. لكن الحرب لا تمنح أي حكومة شيكاً على بياض للهروب من المسؤولية وتحويل كل فشل اقتصادي إلى مسؤولية طرف واحد، ولا تعفي حكومة بورتسودان من مسؤوليتها عن المناطق والمؤسسات والموارد التي تديرها.
ولا يمكن أن يصبح شعار «الدعم السريع» ستاراً يحجب فشل الإدارة، أو وسيلة لإسكات الحديث عن الفساد والاحتكار وتضارب المصالح واقتصاد الحرب.
أما الذهب، فقصته تختصر مأساة السودان: بلد يمتلك مورداً ثميناً، بينما يعيش قطاع واسع من شعبه تحت ضغط الجوع والفقر والمرض.
المؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين الإنتاج والتصدير الرسمي، فقد أُعلن عن إنتاج نحو 70 طناً في 2025، بينما تشير بيانات رسمية إلى صادرات عبر القنوات الرسمية بنحو 14.7 طناً بقيمة 1.536 مليار دولار، كما تشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الذهب تُهرّب خارج القنوات الرسمية.
المطلوب من الحكومة ليس الدفاع عن نفسها بالكلمات، وإنما تقديم إجابات واضحة:
كم بلغت عائدات الذهب؟
كم دخل منها إلى الخزينة؟
كم بلغت حصيلة الصادر؟
كيف تُدار موارد النقد الأجنبي؟
ما حجم التهريب؟
من يراقب المنافذ؟
وأين تذهب أموال الدولة؟
هذه ليست أسئلة عدائية، إنها حقوق المواطن في المعرفة والمساءلة.
الثروة موجودة، لكن المواطن لا يراها.
الموارد موجودة، لكن الخدمات غائبة.
والذهب موجود، لكن الدواء مفقود.
الأزمة لم تعد أرقاماً في تقارير اقتصادية. الأمم المتحدة تقول إن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في 2026، وإن نحو 37% من المرافق الصحية في الولايات الثماني عشرة غير عاملة. كما تجاوز عدد الأشخاص الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي 20 مليوناً، وفق تقديرات أممية.
هذا هو السودان الذي يجب أن تنظر إليه حكومة بورتسودان قبل أن تنظر إلى معارك الخطاب السياسي.
مواطن يبحث عن دواء.
أسرة تعجز عن توفير الطعام.
نازح فقد منزله ومصدر رزقه.
مريض يصل إلى المستشفى فلا يجد الخدمة.
وطالب يواجه مستقبلاً غامضاً. وفي المقابل، تستمر الأسئلة حول الموارد والإيرادات والذهب والعملة والأسواق دون إجابات كافية للرأي العام. هذه هي المفارقة التي يجب أن تواجهها الحكومة.
«تجار الأزمات» ليسوا قدراً، وليس جديداً على السودان أن تتحول الأزمات إلى سوق للمتنفذين وأصحاب المصالح. إن استمرار هذا النهج يعني أن المواطن الذي أثقلت الأزمات كاهله سيدفع ثمن الحرب مرتين: مرة عندما تهدم الحرب منزله وأمنه، ومرة عندما يدفع الانهيار الاقتصادي ما تبقى من قدرته على الحياة.
كفى تحميل المواطن ثمن صراعات السلطة. كفى جعل الفقر ضريبةً يدفعها السودانيون. وكفى استخدام الحرب ستاراً للهروب من المسؤولية.
فالمواطن الذي لم يعد يستطيع شراء الطعام والدواء لا يحتاج إلى شماعة جديدة… يحتاج إلى دولة تنقذه. فحين ينهار الدولار، لا يستطيع المواطن أن يأكل خطاباً سياسياً.
وحين يرتفع سعر الدواء، لا يستطيع أن يدفع للصيدلية بشعارات.
وحين تنقطع الكهرباء والمياه، لا تكفيه المؤتمرات الصحفية.
وحين ينهار التعليم والصحة والخدمات، لا يمكن مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية. المطلوب هو دولة شفافة، ومؤسسات نظيفة، واقتصاد يخضع للرقابة، وموارد تعود إلى الخزينة، وخدمات تصل إلى المواطن، وسلام يوقف الحرب.
أما اختزال الانهيار كله في الدعم السريع، فهو لا يجيب عن الأسئلة الأصعب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.