لم تكن احتجاجات القضارف صباح السبت مجرد تجمع عابر على طريق أو غضب مؤقت بسبب ارتفاع الأسعار، بل جاءت في سياق أزمة معيشية تتسع يوماً بعد يوم، وتدفع المواطنين إلى الشارع بحثاً عن إجابة لسؤال بسيط: إلى متى يستمر هذا الانهيار؟
منذ التاسعة صباحاً، خرجت مظاهرة حاشدة من حي التضامن، قبل أن يغلق المحتجون الطريق الرئيسي جوار مدرسة البنات بالمتاريس، في مشهد يعكس حجم الاحتقان المتراكم وسط المواطنين، الذين باتت تفاصيل الحياة اليومية بالنسبة إليهم معركة مفتوحة مع الغلاء والفقر وتراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
القضارف، التي ظلت واحدة من أهم الولايات المنتجة للغذاء، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة قاسية: أرض تنتج، ومواطن يعاني؛ وأسواق تعج بالسلع، وأسر عاجزة عن شرائها.
الغلاء ليس رقماً في السوق
حين ترتفع أسعار السلع، لا يدفع المواطن ثمن الارتفاع في فاتورة الشراء فقط؛ بل يدفعه من غذائه، وتعليم أطفاله، وعلاجه، وقدرته على تأمين أبسط متطلبات الحياة.
ولهذا فإن الاحتجاجات التي خرجت في القضارف لا يمكن اختزالها في كونها اعتراضاً على سعر سلعة هنا أو أجرة مواصلات هناك. إنها تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بانهيار القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة.
المواطن الذي يذهب إلى السوق ولا يستطيع شراء ما كان يشتريه بالأمس، لن تهمه البيانات الرسمية بقدر ما يهمه أن يجد طعاماً بسعر يستطيع تحمله، وخدمة كهرباء ومياه مستقرة، ودخلاً يحفظ له الحد الأدنى من الكرامة.
ديسمبر لم تمت
والأهم في مشهد القضارف اليوم أن الذاكرة السودانية لا تزال تحمل تجربة ثورة ديسمبر، حين خرج السودانيون إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، ومحتجين على الفقر والتهميش وانسداد الأفق.
قد تتغير الشعارات والظروف، لكن جوهر الاحتجاج الاجتماعي يبقى مرتبطاً بحق المواطن في حياة كريمة ودولة تستجيب لمطالبه.
ثورة ديسمبر لم تكن مجرد لحظة سياسية انتهت بانتهاء المواكب؛ بل تركت في الوعي السوداني فكرة أساسية: الشارع يستطيع أن يقول لا عندما تفشل السلطة في سماع الناس.
وما يحدث في القضارف اليوم يعيد هذه الحقيقة إلى الواجهة.
المتاريس تقول ما لا تقوله البيانات
إغلاق الطريق بالمتاريس ليس هو المشكلة الأساسية؛ المشكلة الحقيقية هي الظروف التي تدفع مواطناً إلى وضع المتراس في الطريق بدلاً من أن يجد قناة مؤسسية يسمع عبرها صوته.
وحين تصل الاحتجاجات إلى هذه المرحلة، فإن المطلوب ليس التعامل معها باعتبارها أزمة أمنية فقط، ولا محاولة إسكاتها بالقوة، وإنما البحث عن أسبابها الحقيقية.
فالشارع لا يغلق طريقاً من فراغ، ولا يخرج الناس إلى الشمس في ساعات الصباح لأنهم يبحثون عن الفوضى. خلف كل متراس قصة أسرة أثقلها الغلاء، وشاب ضاق به الأفق، وأب عاجز عن توفير احتياجات أبنائه، وأم تحاول إدارة ميزانية لم تعد تكفي أبسط الضروريات.
القضارف ليست جزيرة معزولة
ما يحدث في القضارف يجب أن يُقرأ ضمن المشهد السوداني الأوسع. الحرب لم تترك آثارها في ساحات القتال وحدها، وإنما امتدت إلى الأسواق، والمستشفيات، والمدارس، والخدمات، وفرص العمل، وقيمة النقود.
وحين تتراكم هذه الأزمات من دون حلول ملموسة، يصبح الاحتجاج نتيجة طبيعية لتراجع الثقة بين المواطن والسلطة.
المطلوب اليوم ليس خطابات جديدة عن الصبر والتحمل، ولا تحميل المواطن مسؤولية أزمة لم يصنعها وحده. المطلوب سياسات اقتصادية واضحة، وضبط للأسواق، وحماية للقدرة الشرائية، ومواجهة للفساد والاحتكار، وإعادة الاعتبار للخدمات الأساسية.
الدرس الذي يجب ألا يُنسى
رسالة القضارف اليوم واضحة: المواطن السوداني لم يعد مستعداً لدفع فاتورة الانهيار إلى ما لا نهاية.
وإذا كانت السلطات تريد قراءة ما يحدث بعقل مفتوح، فعليها أن تنظر إلى ما وراء المتاريس، وأن تسمع ما يقوله الناس في الأسواق والأحياء ومواقف المواصلات.
فالقضارف التي خرجت اليوم ليست مجرد مدينة غاضبة؛ إنها تذكير بأن الأزمات الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية عندما تفشل السلطات في الاستجابة لها.
وثورة ديسمبر، بكل ما حملته من شعارات وأحلام وتضحيات، ما زالت حاضرة في الوعي الشعبي السوداني.
قد تهدأ الشوارع أحياناً، وقد تتراجع المواكب، لكن الحقوق التي خرج من أجلها السودانيون لا تموت بالصمت، والغضب الذي يصنعه الجوع والغلاء لا يمكن إخفاؤه بالمتاريس أو البيانات.
القضارف اليوم تقول كلمتها. والسؤال الآن ليس: لماذا خرج الناس؟ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على أصحاب القرار هو: ماذا فعلتم حتى لا يضطر الناس إلى الخروج؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.