الجوع يحاصر السودانيين.. والهدنة تصطدم بحسابات البرهان والإسلاميين

تقرير: عين الحقيقة

مع استمرار الحرب في السودان، لم يعد الجوع مجرد نتيجة جانبية للقتال، بل أصبح أحد أبرز وجوه الأزمة التي تحاصر ملايين السودانيين. وبينما تتسع رقعة النزوح وتتراجع الخدمات الأساسية، تتضاءل قدرة المنظمات الإنسانية على مواكبة حجم الكارثة، في وقت تظل فيه الحسابات العسكرية والسياسية للجيش والحركة الإسلامية، لا سيما بقيادة علي كرتي وأحمد هارون، حاضرة بقوة في كل محاولة للتهدئة وفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية.

وتشير أحدث البيانات إلى أن 28.9 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات غذائية، و27.1 مليونًا يحتاجون إلى خدمات المياه والإصحاح والنظافة، فيما يحتاج 21 مليون شخص إلى المساعدة الصحية. وتتركز أشد الأوضاع الإنسانية خطورة في مناطق القتال، خصوصًا دارفور وكردفان، حيث أدت المواجهات والنزوح إلى تدمير مصادر الدخل، وتعطيل الأسواق، وقطع طرق الإمداد.

وتكشف أرقام الأمن الغذائي حجم الانهيار بصورة أكثر قسوة؛ إذ يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، عند مستوى الأزمة أو أسوأ، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألفًا في مرحلة الكارثة. كما ظلت 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة حتى مايو 2026.

هذه ليست أرقامًا مجردة. خلف كل رقم أسرة فقدت مصدر دخلها، ونازح يبحث عن وجبة، وطفل يواجه سوء التغذية، ومجتمع بات يعتمد على المساعدات للبقاء.

ومع استمرار المعارك، تتآكل مقومات الحياة يومًا بعد آخر. فالأسواق وطرق الإمداد وشبكات المياه والمنشآت الصحية تعرضت للتدمير أو التعطيل، بينما أصبح الحصول على الغذاء والدواء والمياه النظيفة في مناطق واسعة مرتبطًا بالوضع العسكري وخطوط المواجهة.

قطاع صحي ينهار تحت ضغط الحرب

الأزمة لا تتوقف عند الغذاء. فـ21 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات صحية، بينما يعاني النظام الصحي من أضرار واسعة في البنية التحتية، ونقص الأدوية والكوادر والمستلزمات، فضلًا عن المخاطر الأمنية التي تحد من وصول المرضى والعاملين في المجال الصحي إلى الخدمات.

وفي ظل هذا الانهيار، تتكرر موجات الكوليرا والملاريا والحصبة وحمى الضنك، خصوصًا في مناطق النزوح التي تعاني من نقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي. وتظل القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية محدودة في المناطق المتأثرة بالقتال.

أما قطاع المياه والإصحاح والنظافة، فيواجه فجوة تمويلية حادة؛ فبينما يحتاج 27.1 مليون شخص إلى المساعدة، لم يحصل القطاع، حتى يونيو 2026، سوى على 22.6% من التمويل المطلوب.

تمويل يتراجع.. وجوع يتسع

في مقابل اتساع الاحتياجات، تتراجع قدرة المنظمات على الاستجابة.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي أن تمويل عملياته في السودان انخفض إلى نحو 206 ملايين دولار هذا العام، مقابل 645 مليون دولار في العام السابق، مع حاجته إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية لمواصلة عملياته الحالية.

وأدى نقص التمويل إلى تركيز المساعدات على الفئات الأكثر ضعفًا، فيما يصل البرنامج فعليًا إلى نحو أربعة ملايين شخص، وسط فجوات كبيرة في التغطية.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: كلما اتسعت دائرة الجوع، ضاقت قدرة العالم على الاستجابة له.

لكن أزمة السودان ليست أزمة تمويل فقط؛ فالوصول إلى المدنيين أنفسهم أصبح جزءًا من معركة الحرب، وهو ما يجعل المساعدات الإنسانية عرضة للقيود الأمنية والعسكرية والسياسية.

هدنة للمدنيين.. أم ورقة في حسابات الحرب؟

مع استمرار هذه الكارثة، تعود الهدنة الإنسانية إلى الواجهة. لكن الطريق إليها لا يزال محكومًا بالشروط العسكرية وموازين القوة على الأرض.

وفي يوليو 2026، كشفت وثائق اطلعت عليها رويترز أن الجيش السوداني أبلغ الجانب الأميركي بأنه لن يقبل مقترحًا يتضمن هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، ما لم ينص على انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023.

وكان المقترح الأميركي يتضمن هدنة تعقبها مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي بقيادة مدنية، فيما قالت واشنطن إن على الطرفين قبول الخطة دون شروط مسبقة.

هنا تتضح عقدة المشهد: الهدنة التي يفترض أن تكون إجراءً عاجلًا لحماية المدنيين أصبحت مرتبطة بموازين السيطرة العسكرية وشروط التفاوض السياسي.

وتقول قيادة الجيش إن انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها شرط أساسي لأي ترتيبات لوقف إطلاق النار، وإن الهدنة لا ينبغي أن تؤدي إلى تثبيت الوضع العسكري القائم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه على قيادة الجيش والسلطة في بورتسودان هو: ماذا عن المدنيين الذين لا يملكون الوقت لانتظار حسم المعركة؟

فالطفل الذي يحتاج إلى الغذاء، والمريض الذي يبحث عن الدواء، والأسرة التي تنتظر مياه الشرب، لا يستطيعون انتظار نهاية المفاوضات العسكرية.

البرهان.. والجيش.. وحلفاء الحرب

وتزداد حساسية هذا الملف عند النظر إلى التحالفات التي تشكلت حول قيادة الجيش خلال الحرب.

فقد تحدثت تقارير دولية عن تنامي نفوذ الحركة الإسلامية «الإخوان» داخل المعسكر الداعم للجيش، وعن مشاركة كتائب الحركة الإسلامية في القتال إلى جانبه. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات وعلى كتيبة البراء بن مالك، الجناح الإخواني المسلح الداعم للجيش.

وأصبحت هذه العلاقة محل انتقادات من فاعلين سياسيين ومجتمعيين، ورفض داخلي، موجهة إلى قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان؛ إذ يرى خبراء عسكريون أن الاعتماد على هذه القوى، إلى جانب التشدد في الشروط العسكرية والسياسية، يضيّق مساحة المناورة أمام أي تسوية سياسية.

في المقابل، ترفض قيادة الجيش تقديم موقفها باعتباره تعبيرًا عن مشروع إسلامي، وتؤكد أن معركتها مرتبطة بوحدة الدولة ورفض بقاء قوات الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة داخل المدن.

وبين الروايتين، تبقى حقيقة يصعب تجاهلها: تحالفات الجيش والحركة الإسلامية، السياسية والعسكرية، أصبحت جزءًا من بنية الحرب، بينما يتحمل المدنيون الكلفة الأكبر لاستمرارها.

ولا يعني انتقاد موقف الجيش أن الطرف الآخر معفى من المسؤولية؛ فقوات الدعم السريع تواجه بدورها اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، خصوصًا في الفاشر، وهي اتهامات ينبغي التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.

لكن وقف إطلاق النار وحماية المدنيين لا ينبغي أن ينتظرا اكتمال مسار المحاسبة أو التسوية السياسية؛ فالاثنان يمكن أن يسيرا بالتوازي.

بورتسودان أمام اختبار الجوع

تواجه السلطة في بورتسودان، وعلى رأسها قيادة الجيش، اختبارًا يتجاوز إدارة العمليات العسكرية. فبينما تتمسك القيادة بشروطها لإنهاء الحرب، تتسع دائرة الاحتياجات الإنسانية بصورة يصعب تجاهلها.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان خلال 2026، بينما لم تتمكن المنظمات، حتى يونيو، من الوصول إلا إلى نحو 31.5% من إجمالي المحتاجين.

وهذه الفجوة ليست مجرد رقم في تقارير المانحين؛ إنها تعني ملايين الأشخاص الذين لا تصل إليهم المساعدات في الوقت الذي يحتاجون فيه إليها.

وفي مثل هذا الوضع، يصبح استمرار ربط الترتيبات الإنسانية بالحسابات العسكرية موضع مساءلة سياسية وأخلاقية. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيدًا من النازحين، ومزيدًا من الأسر التي تفقد مصادر رزقها، ومزيدًا من الضغط على المستشفيات والأسواق وشبكات المياه.

والسؤال لم يعد فقط: من يسيطر على الخرطوم أو دارفور أو كردفان؟

بل أصبح أكثر إلحاحًا: هل تستطيع قيادة الجيش فك ارتباطاتها بالحركة الإسلامية، ووضع إنقاذ المدنيين فوق شروط الميدان؟

فالحرب قد تمنح طرفًا مكاسب عسكرية، لكنها لا تستطيع إطعام الجائعين، ولا إعادة المستشفيات المدمرة، ولا معالجة آثار النزوح.

وفي ضوء ذلك، لن يُقاس مستقبل السودان فقط بما تحققه الأطراف من مكاسب على الأرض، وإنما بما إذا كان بالإمكان إنقاذ ملايين المدنيين قبل أن تتحول الكارثة الإنسانية إلى واقع دائم.

فحين يصبح الغذاء والدواء والماء رهائن للحسابات العسكرية والسياسية للجيش والحركة الإسلامية، لا يعود الجوع نتيجة للحرب فحسب؛ بل يصبح واحدًا من أكثر وجوهها فتكًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.