كيف قادت سياسات النظام السابق إلى الحرب؟

 نورا عثمان

 

لم تبدأ الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 من فراغ، كما أن اختزال جذور الأزمة في الاشتباك الذي اندلع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا يفسّر وحده كيف وصل السودان إلى هذه اللحظة الكارثية. فالحرب جاءت في سياق سياسي وعسكري تراكمت فيه الأزمات منذ سنوات، بدءاً من إرث نظام عمر البشير، مروراً بسقوطه في 2019، ثم الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، وصولاً إلى تعثر الانتقال المدني والخلافات حول إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات العسكرية.

وتشير تحليلات بحثية إلى أن النظام السابق ترك وراءه دولة شديدة الاستقطاب، ومؤسسات أمنية وعسكرية متعددة مراكز القوة، واقتصاداً تتحكم فيه شبكات مرتبطة بالنظام والمؤسسة العسكرية. كما أن شخصيات وقوى إسلامية مرتبطة بالنظام السابق عادت إلى الواجهة بعد انقلاب 2021، بحسب تحليل للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. كان إسقاط نظام المؤتمر الوطني في أبريل 2019 لحظة مفصلية في تاريخ السودان، لكنه لم يؤدِّ إلى تفكيك كامل لبنية السلطة التي تشكلت خلال ثلاثة عقود.

فقد نشأ بعد الثورة نظام انتقالي هش يجمع المدنيين والعسكريين، قبل أن ينقلب المكوّنان العسكريان الرئيسيان على الحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021. وترى تحليلات دولية أن الانقلاب أعاد فتح المجال أمام قوى مرتبطة بالنظام السابق لاستعادة جزء من نفوذها السياسي والإداري. وفي هذا السياق، لم تكن الخلافات بين الجيش والدعم السريع مجرد خلاف شخصي بين قائدين، بل ارتبطت بأسئلة أكبر: من يسيطر على الدولة؟ ومن يمتلك السلاح؟ ومن يحدد مستقبل المؤسسة العسكرية؟ وكيف يتم إخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية؟

في 5 ديسمبر 2022، وقّعت قوى عسكرية ومدنية الاتفاق الإطاري الذي كان يستهدف فتح الطريق أمام حكومة انتقالية بقيادة مدنية واستكمال عملية الانتقال الديمقراطي. وكان الإصلاح الأمني والعسكري أحد أكثر الملفات حساسية في العملية. ووفق تقرير للأمم المتحدة، عُقد في مارس 2023 مؤتمر لمناقشة إصلاح القطاع الأمني، لكن الخلاف حول المدة والشروط الخاصة بدمج قوات الدعم السريع في الجيش حال دون الوصول إلى توصيات متوافق عليها.

وكانت هذه النقطة تحديداً من أكثر الملفات التي كشفت عمق التناقض بين الطرفين العسكريين. فبينما كان الاتجاه العام للعملية السياسية يدفع نحو جيش وطني موحد، ظلت مسألة مستقبل الدعم السريع ومدة دمجه في القوات المسلحة موضع خلاف حاد. وتؤكد تحليلات مستقلة أن الخلاف حول إصلاح القطاع الأمني كشف مصالح متعارضة بين الجيش والدعم السريع، وساهم في دفع البلاد نحو المواجهة.

من الصعب اختزال مسؤولية الحرب في طرف سياسي واحد، كما أن الأدلة المتاحة تشير إلى وجود عوامل متعددة تضافرت للوصول إلى الانفجار العسكري. لكن الدور الذي لعبته القوى المرتبطة بالنظام السابق في المشهد السياسي والعسكري يستحق البحث والتوثيق. فرويترز ذكرت في تحقيق سابق أن الحركة الإسلامية السودانية، بقيادة عناصر مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني السابق، سعت خلال الحرب إلى استعادة نفوذها السياسي عبر الاصطفاف مع الجيش، وأن شخصيات إسلامية أعلنت توقعها استمرار سيطرة الجيش ثم إجراء انتخابات يمكن أن تعيد الإسلاميين إلى السلطة. كما نقل التحقيق اتهامات بوجود مشاركة واسعة لإسلاميين في العمليات العسكرية والتعبئة لصالح الجيش، مع نفي المؤسسة العسكرية وجود تنسيق سياسي مع الفصائل.

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في قراءة جذور الحرب: هل تحولت الحرب، بالنسبة لبعض القوى السياسية، من صراع عسكري إلى فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بعد أن أطاحت ثورة ديسمبر بنظام البشير؟ هذا سؤال يحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة أكثر تفصيلاً، وليس إلى إجابة سياسية مسبقة. قبل اندلاع الحرب، كان الاتفاق الإطاري يواجه معارضة من قوى سياسية ومجتمعية مختلفة، وليس من الإسلاميين وحدهم. كما عارضته لجان مقاومة وقوى مدنية لأسباب تتعلق، من بينها، بمسائل العدالة الانتقالية وبنية الاتفاق وطريقة التفاوض.

لكن المشهد شهد أيضاً حملات سياسية وإعلامية واسعة ضد العملية الانتقالية، في وقت كانت فيه العلاقة بين قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع تتدهور بصورة متسارعة. وتشير دراسة لمعهد كارنيغي إلى أن الاتفاق الإطاري ساهم في كشف الخلافات العميقة بين المكوّنين العسكريين، خصوصاً مع تصاعد الخلاف بشأن إصلاح القطاع الأمني، بينما كانت القوات تتعزز في الخرطوم قبيل اندلاع القتال. وبذلك، لم تكن المشكلة في الاتفاق وحده، بل في البيئة السياسية والعسكرية التي أحاطت به.

في 15 أبريل 2023، اندلعت الحرب المفتوحة بين الجيش والدعم السريع. وتضع تقارير الأمم المتحدة بداية الحرب في ذلك اليوم، بعد فشل المسار السياسي في الوصول إلى الاتفاق النهائي الذي كان يفترض أن يؤسس لحكومة مدنية. أما تفسير اللحظات الأخيرة التي سبقت القتال، فيبقى موضع خلاف بين أطراف النزاع ومراقبيه. لكن المؤكد أن البلاد كانت قد وصلت إلى وضع شديد الخطورة: قوتان مسلحتان كبيرتان، خلاف على مستقبل القطاع الأمني، عملية سياسية متعثرة، واستقطاب سياسي حاد.

وهكذا تحولت الأزمة السياسية إلى حرب مفتوحة، ثم إلى كارثة إنسانية امتدت آثارها إلى معظم أنحاء السودان. المطلوب اليوم ليس إعادة كتابة التاريخ لخدمة طرف في الحرب، وإنما فتح ملف جذور الأزمة بالكامل.

بل أيضاً: كيف نشأت منظومة عسكرية متعددة المراكز؟ كيف تحولت القوات النظامية وشبه النظامية إلى أطراف سياسية؟ لماذا فشل الانتقال الديمقراطي؟ كيف استمرت شبكات النظام السابق في العمل بعد سقوط البشير؟ ولماذا عجزت القوى السياسية والعسكرية عن الوصول إلى تسوية قبل أبريل 2023؟ هذه الأسئلة ضرورية لأن معالجة نتائج الحرب من دون معالجة أسبابها قد تعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال جديدة.

والاتفاق الإطاري، رغم عيوبه واعتراضات قوى سودانية مختلفة عليه، كان محاولة لإعادة المسار السياسي إلى واجهة المشهد، ووضع قضية الإصلاح العسكري ضمن عملية انتقال مدني. لكن العملية لم تكتمل، وانفجرت الحرب قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبحت كلفة الصراع أكبر من قدرة أي طرف على تجاهلها. ولذلك فإن فهم الجذور الحقيقية للأزمة لا يعني تبرئة طرف أو إدانة طرف آخر، بل يعني الاعتراف بأن بناء الدولة السودانية بعد الحرب يتطلب معالجة جذور الانقسام العسكري والسياسي، وتحديد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق إجراءات قانونية مستقلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.