ستر الفساد والمجرمين تبرئة للطغاة وخيانة للدين
انتشر مقطع فيديو لأحد شيوخ الدين أصحاب اللحى في صفحته على فيسبوك والتي يعرف فيها نفسه بأنه حاصل على الدكتوراة وبأنه أستاذ جامعي وداعية لله ، الفيديو يتحدث فيه الشيخ المحترم عن تحريم نشر مقاطع تظهر بعض أفراد شرطة المرور وهم يتلقون رشاوى من المواطنين. واستند هذا الشيخ في فتواه إلى أن الإسلام يحث على ستر المسلمين متجاهلاً تماماً أن الرشوة جريمة شنيعة تدمر المجتمع وتسحق الفقراء وأن الإسلام لا يأمر بستر المجرمين ولا يحمي الفاسدين.
إن مفهوم الستر في الإسلام يخص الذنوب الشخصية التي يقع فيها العبد بينه وبين ربه ويتوب منها أما الفساد الإداري والمالي والظلم العلني الذي يأكل حقوق الناس فهو جريمة يجب كشفها والقصاص منها ولقد حارب النبي الكريم الفساد وأقام الحدود على الملأ ليرتدع المجرمون فكيف يصبح اليوم كشف الرشوة عيباً وفضيحة يجب إخفاؤها؟ ويصل الأمر بهذا الشيخ إلى حد تبرير السرقة والرشوة بحجة ضعف المرتبات فيطالب الدولة بزيادة الأجور بدلا من محاسبة الفاسد وهذا منطق معكوس يشرع للصوص سرقة أموال الناس مع أن الصحيح هو إن كان الراتب لا يكفي صاحبه فعليه أن يستعفي من عمله ويبحث عن رزق حلال لا أن يمد يده بالسرقة والرشوة من جيوب المواطنين الذين قد يكونون أفقر منه. إن الاضطرار الشرعي لا يبيح أبداً أكل أموال الناس بالباطل ولا يبيح الرشوة التي تضيع الحقوق وتظلم الضعفاء.
إن ما يفعله بعض شيوخ السلطان هو توظيف للنصوص الدينية في غير مواضعها لتبرير ظلم الحاكم وسرقته لأموال الشعب فهؤلاء تجار دين يبيعون ضمائرهم بثمن بخس من أجل إرضاء سلطان فاسد جائر فيقلبون الحقائق ويحرمون كشف الفساد ويحلون السكوت عن الظلم. لقد وقف هؤلاء ضد الله وضد الدين وضد ضمائرهم إن كانت لهم ضمائر ليصبحوا أبواقاً تبرر فساد المفسدين.
الستر المحرم والممنوع هو الذي يتعلق بأهل الفساد والشرور والمجاهرين بالمعاصي والذين يتعدى ضررهم ويصل لابتزاز الناس وأكل أموالهم بالباطل كالفاسدين والمرتشين وقطاع الطرق وفي هذا السياق يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم إن الستر المستحب هو في حق من ليس معروفاً بالأذى والفساد أما المعروف بذلك فيستحب ألا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة الآخرين على مثل فعله ويؤكد الفقهاء أن التستر على المرتشي والمفسد يعد من باب التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه في القرآن الكريم لأن هذا التستر يضمن للمجرم البقاء في وظيفته لممارسة المزيد من الظلم والابتزاز بحق الضعفاء والمستضعفين، أما إن كان ولي الأمر نفسه إنقلابياً متهماً ليس لديه ميول للإصلاح فلتكن المعالجة بالكشف أمام الكل حتى يتبين الناس الأمر ويقفون ضد المفسد وضد الحاكم الظالم الذي يسند هؤلاء المجرمين فلا يمكن لعاقل أن يسمي التغطية على نهب أموال المواطنين ستراً مشروعاً بل هو تواطؤ ومشاركة في الجريمة وإعانة على هدم أركان العدالة ومحاربة لأمر الله ورسوله في إنكار المنكر والأخذ على أيدي المفسدين.
إن الدين الإسلامي جاء ليقيم العدل ويحمي حقوق الضعفاء ويقطع دابر الفساد لا ليوفر غطاء شرعياً للصوص والمجرمين. وكشف الفساد الإداري والمالي واجب ديني ووطني لحماية مقدرات الأمة ومن ينادي بستر المجرمين فهو في الحقيقة ينادي بستر اللصوص ويحمي الطغاة على حساب دماء الناس وأرزاقهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.