ليس أصعب على الإنسان من أن يعمل ولا يتقاضى أجره، وأن يعود إلى منزله في نهاية اليوم وهو يعرف أن أبناءه ينتظرون منه ما لا يملك.
هذه هي الحكاية القاسية لمعلمي ولاية الخرطوم الذين أكملوا، بحسب لجنة المعلمين السودانيين، 49 يوماً دون صرف رواتبهم، فيما تتراكم عليهم متأخرات تمتد إلى 10 أشهر كاملة.
خلف هذا الرقم عشرات الآلاف من القصص الإنسانية التي لا تظهر في البيانات الرسمية: أم تنتظر ثمن الدواء، طفل يسأل عن وجبة العشاء، أب يحاول إخفاء قلقه عن أسرته، ومعلم يقف أمام تلاميذه ليشرح لهم معنى المستقبل، بينما مستقبله هو نفسه أصبح معلقاً بين راتب متأخر وسوق لا يرحم.
ماذا يأكل المعلم عندما ينتهي راتبه؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل قسوة الأزمة كلها.
كيف تدبر أسرة معلم حياتها عندما لا يدخل المنزل راتب لمدة 49 يوماً؟ وكيف يشتري الطعام؟ وكيف يدفع إيجار المنزل أو تكاليف المواصلات؟ وكيف يوفر العلاج والدواء؟ وماذا يفعل عندما يمرض أحد أطفاله؟
بحسب لجنة المعلمين السودانيين، يبلغ أدنى راتب للمعلم في الخرطوم 80 ألف جنيه سوداني، بينما يبلغ راتب أعلى درجة وظيفية نحو 220 ألف جنيه.
وبحسب الأرقام التي أوردتها اللجنة، فإن هذه المبالغ تعادل نحو 9 دولارات و25 دولاراً على التوالي، في وقت تجاوز فيه سعر الدولار في السوق الموازية 8600 جنيه.
إنها أرقام تكشف حجم المأساة أكثر مما تكشف قيمة الراتب.
فحتى الراتب الذي كان يفترض أن يكون وسيلة للعيش، أصبح عاجزاً عن مواكبة أسعار الغذاء والدواء والمواصلات، فكيف يمكن لأسرة أن تصمد أمام انقطاعه تماماً؟
المعلم الذي يعلّم أبناء الآخرين ولا يستطيع إطعام أبنائه
المفارقة الأكثر إيلاماً أن المعلم يؤدي واحدة من أكثر المهن ارتباطاً بمستقبل المجتمع، لكنه يجد نفسه عاجزاً عن تأمين حاضر أسرته.
يقف أمام الطلاب ليحدثهم عن العلم والانضباط والأمل، ثم يعود إلى بيت قد لا يجد فيه ما يكفي لإعداد وجبة كاملة.
قد يضطر إلى الاستدانة من قريب أو جار، أو شراء الطعام بالدين، أو تقليص عدد الوجبات، أو تأجيل العلاج، أو إخراج أبنائه من بعض الاحتياجات الأساسية.
ومع استمرار الأزمة، يتحول الدين نفسه إلى عبء جديد.
فماذا يفعل المعلم عندما تتراكم الديون، ويتأخر الراتب، وتستمر الأسعار في الارتفاع؟
عشرة أشهر من المتأخرات
القضية لا تتوقف عند 49 يوماً من عدم صرف الراتب.
لجنة المعلمين السودانيين تقول إن معلمي الخرطوم لم يتسلموا متأخرات عشرة أشهر كاملة، رغم صدور قرارات من مجلس الوزراء بشأن مستحقات التعليم.
وهنا تنتقل القضية من مجرد تأخير إداري إلى سؤال يتعلق بالعدالة والحقوق.
المعلم لا يطلب منحة أو صدقة.
إنه يطالب بأجر مقابل عمل أداه، وبمستحقات يفترض أن تكون حقاً ثابتاً له ولأسرته.
وحين يتأخر أجر العامل لشهور طويلة، فإن الضرر لا يقع عليه وحده؛ بل ينتقل مباشرة إلى أسرته وأطفاله، ثم إلى العملية التعليمية نفسها.
عندما يصبح التعليم عبئاً على من يمارسه
وصف لجنة المعلمين ما يحدث بأنه “سياسة تجويع”، معتبرة أن هذه الظروف تحول مهنة التعليم إلى ما وصفته بـ”السخرة الصريحة”، وتجرد المعلم من أبسط مقومات الكرامة.
قد تختلف التوصيفات السياسية للأزمة، لكن الحقيقة الإنسانية لا تحتاج إلى كثير من الجدل:
لا يمكن أن تطلب من إنسان أن يمنح أفضل ما لديه في الفصل الدراسي، بينما هو عاجز عن تأمين أبسط احتياجات أسرته.
المعلم المنهك اقتصادياً ليس مجرد موظف يعاني من مشكلة راتب؛ إنه إنسان يحمل معه أزمته إلى الفصل، وقد تؤثر ظروفه في قدرته على الاستمرار في أداء رسالته.
وفي بلد يعيش حرباً وانهياراً اقتصادياً واسعاً، تصبح حماية المعلم وحماية التعليم جزءاً من حماية المجتمع نفسه.
من يدفع ثمن هذا الصمت؟
في النهاية، لا يدفع المعلم وحده ثمن تأخر الرواتب.
يدفع أطفاله الثمن، وتدفع أسرته الثمن، ويدفع الطلاب الثمن، ويدفع التعليم السوداني كله الثمن.
كل يوم يمر من دون معالجة حقيقية لهذه الأزمة يعني مزيداً من الضغط على أسر المعلمين، ومزيداً من فقدان الثقة في مهنة يفترض أن تكون من أكثر المهن احتراماً وتقديراً.
المعلم لا يريد أن يكون بطلاً في معركة البقاء.
يريد فقط أن يحصل على أجره، وأن يعود إلى منزله وفي يده ما يكفي لإطعام أسرته، وأن يستطيع أن يقول لطفله المريض: سنشتري الدواء.
بعد 49 يوماً بلا راتب، وبعد عشرة أشهر من المتأخرات وفق لجنة المعلمين، لم يعد السؤال: لماذا يطالب المعلمون بحقوقهم؟
السؤال الأكثر إنسانية هو:
كيف استطاعت أسرهم أن تصمد كل هذه المدة؟
وماذا أكلت؟
وكيف عاشت؟
وإلى متى يمكن أن يستمر هذا الصمت؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.