زيارة حمدوك إلى أميركا.. هل تستعيد واشنطن دورها في أزمة السودان؟

تقرير ـ عين الحقيقة

تتجه الأنظار إلى واشنطن ونيويورك مع وصول رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك على رأس وفد من تحالف القوى المدنية «صمود»، في زيارة تستهدف فتح قنوات أوسع مع الإدارة الأميركية بشأن الحرب السودانية، والضغط من أجل وقف إطلاق النار وإطلاق مسار سياسي مدني. وبحسب تقارير حديثة، وصل وفد «صمود» إلى نيويورك في 20 سبتمبر، حيث من المقرر أن يعقد لقاءات مع مسؤولين أميركيين ودوليين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما تشمل الزيارة واشنطن أيضاً. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن اللقاءات ستضم مسؤولين في الخارجية الأميركية وأعضاء في الكونغرس ودبلوماسيين دوليين.

زيارة حمدوك لا تنفصل عن تغير ملحوظ في الخطاب الأميركي تجاه الحرب..

وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، مع تحرك أميركي متزايد بشأن الحرب، ودفع واشنطن نحو هدنة إنسانية، ووقف الدعم العسكري الخارجي، ومسار سياسي تقوده قوى مدنية. كما تستعد نيويورك لاجتماع وزاري رفيع حول السودان في 21 سبتمبر بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد ودول فاعلة في الملف.

واشنطن أمام اختبار جديد

زيارة حمدوك لا تنفصل عن تغير ملحوظ في الخطاب الأميركي تجاه الحرب. ففي الأسابيع الأخيرة، صعّدت واشنطن الضغوط على طرفي الصراع، ودعمت جهود توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، فيما قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إن القادة العسكريين المتنافسين لا ينبغي أن يكون لهم مستقبل في حكم البلاد بعد الحرب. وفي الوقت نفسه، تؤكد الإدارة الأميركية أن هدفها ليس دعم طرف على حساب آخر، وإنما الدفع باتجاه وقف إطلاق النار وحوار سياسي مدني شامل. وهنا تأتي أهمية تحرك «صمود»: هل تستطيع القوى المدنية تحويل الموقف الأميركي المعلن إلى ضغط سياسي فعلي على الأطراف المتحاربة، أم تظل واشنطن أسيرة سياسة البيانات والاتصالات الدبلوماسية؟

الدور الأميركي لا يزال حاسماً

وترى الباحثة والمحللة السودانية أريج الحاج، في تحليل نشره معهد واشنطن، أن الدور الأميركي يظل محورياً في الملف السوداني، رغم أن المسار التفاوضي تقوده مجموعة أوسع تضم قوى إقليمية ودولية. وتشير الحاج إلى أن العملية السياسية تحتاج إلى دعم دولي وإقليمي قادر على ضمان مشاركة واسعة للسودانيين، محذرة من أن تراجع الانخراط الأميركي قد يترك مساحة أكبر أمام الأطراف المسلحة لتعطيل المسار السياسي أو فرض ترتيباتها الخاصة. وفي حديث نقلته صحيفة «ذا ناشيونال»، اعتبرت الحاج أن الإجراءات الأميركية الأخيرة تجاه الخرطوم تمثل تحولاً عن نهج سابق كان أكثر حرصاً على الموازنة بين طرفي الحرب، لكنها شددت على أن الضغط على الجيش لا يعني اعتبار الدعم السريع طرفاً أفضل أو بديلاً سياسياً.

تطرح زيارة حمدوك أيضاً سؤالاً حول قدرة القوى المدنية على توحيد رؤيتها أمام واشنطن.

«صمود» يريد مساراً مدنياً

وتطرح زيارة حمدوك أيضاً سؤالاً حول قدرة القوى المدنية على توحيد رؤيتها أمام واشنطن. ففي لقاء سابق بالقاهرة مع المبعوث الأممي بيكا هافيستو، دعا تحالف «صمود» إلى ثلاثة مسارات متزامنة: وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووقف شامل لإطلاق النار، وعملية سياسية شفافة، مع التأكيد على أن يكون السودانيون أصحاب الدور الرئيسي في تحديد مستقبل بلادهم. لكن المشهد المدني نفسه لا يخلو من الخلافات. فقد أشارت تقارير إلى تباينات بشأن تمثيل القوى المدنية في الوفد، فيما أوضح قيادي في «صمود» أن الوفد يمثل التحالف وليس «قوى إعلان المبادئ». وهذه التباينات تضع حمدوك أمام مهمة إضافية: إقناع واشنطن بأن القوى المدنية قادرة على تقديم رؤية سياسية متماسكة، وليس مجرد طلب تدخل أميركي أكبر.

ماذا تستطيع واشنطن أن تفعل؟

المشكلة لا تكمن فقط في الموقف الأميركي، وإنما في أدوات تحويله إلى نتائج على الأرض. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، ما تزال المعارك مستمرة، فيما تشير تقارير دولية إلى أن الجهود السابقة لفرض هدنة لم تحقق نتائج حاسمة. وفي سبتمبر الجاري، قالت واشنطن إنها مستمرة في دعم خارطة طريق للهدنة، بينما أقر بولس بأن الجهود الدبلوماسية لم تحقق النتائج المنتظرة حتى الآن. لذلك، فإن المطلوب من الزيارة يتجاوز اللقاءات البروتوكولية. فالقضية الأساسية بالنسبة للسودانيين هي ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستخدم وزنها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للضغط باتجاه وقف الحرب، وضمان وصول المساعدات، والحد من تدفق السلاح، وفتح الطريق أمام عملية سياسية لا تهيمن عليها الأطراف العسكرية.

بين الضغط والعقوبات

وتزامنت التحركات الدبلوماسية مع إجراءات أميركية ضاغطة، من بينها عقوبات وقيود مرتبطة بالحكومة السودانية وملفات أخرى، إضافة إلى الدفع باتجاه توسيع حظر الأسلحة. ويرى مراقبون أن العقوبات وحدها لا تكفي لإنهاء الحرب، ما لم تترافق مع آليات واضحة للرقابة والتنفيذ وحوافز سياسية تدفع الأطراف إلى التفاوض. كما أن أي سياسة أميركية تجاه السودان ستواجه شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، في ظل تعدد الجهات المتدخلة في الحرب وتباين مواقف دول الجوار والقوى الإقليمية.

هل تتحول الزيارة إلى نقطة ضغط؟

الاختبار الحقيقي لزيارة حمدوك لن يكون في عدد اللقاءات التي يعقدها الوفد، بل في ما يمكن أن ينتج عنها. إذا نجحت القوى المدنية في نقل صورة واضحة عن حجم الكارثة الإنسانية، وفي تقديم تصور سياسي قابل للنقاش، فقد تشكل الزيارة فرصة لإعادة وضع القضية السودانية في مقدمة الاهتمام الأميركي. أما إذا بقيت التحركات في إطار اللقاءات الدبلوماسية، دون أدوات ضغط جديدة أو مسار تنفيذي واضح، فقد تنتهي الزيارة مثل جولات سابقة: رسائل سياسية كثيرة، ونتائج محدودة على الأرض.

ويأتي ذلك في وقت تحذر فيه تحليلات سياسية من أن غياب ضغط أميركي مستمر قد يضعف قدرة الآلية الدولية على دفع الأطراف نحو تسوية، بينما ترى مقاربات أخرى أن أي حل مستدام يحتاج إلى عملية سياسية سودانية واسعة، لا تقتصر على العسكريين أو النخب السياسية. وبين واشنطن ونيويورك، لا يبحث حمدوك و«صمود» فقط عن لقاءات مع المسؤولين الأميركيين؛ بل يحاولان اختبار سؤال أكبر: هل تستعد الولايات المتحدة للانتقال من إدارة أزمة السودان دبلوماسياً إلى ممارسة ضغط أكثر فاعلية لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام حكم مدني؟ الإجابة ستظهر ليس في التصريحات، وإنما في قدرة واشنطن على تحويل نفوذها إلى خطوات ملموسة توقف القتال، وتحمي المدنيين، وتدعم مساراً سياسياً سودانياً واسعاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.