الجنيه ينهار والأسواق تختنق.. الحرب تطحن ما تبقى للسودانيين

تقرير: عين الحقيقة

لم يعد الانهيار الاقتصادي في البلاد، ولا سيما في مناطق سيطرة الجيش السوداني، مجرد أرقام تتداولها الأسواق، بل تحول إلى واقع يومي ضاغط على حياة المواطنين، من أسعار الغذاء والوقود إلى القدرة على شراء أبسط الاحتياجات، في وقت تتسع فيه تداعيات الحرب على الاقتصاد والمجتمع.

جزءًا من الأزمة يرتبط بما وصفه محللون بـ«التقسيم الاقتصادي» للبلاد، بعدما أصبحت مناطق إنتاج رئيسية للذهب والماشية والمحاصيل الزيتية والصمغ العربي خارج سيطرة السلطات المتحالفة مع الجيش.

وخلال أشهر قليلة، فقد الجنيه السوداني نحو نصف قيمته في مناطق سيطرة الجيش، وفق تقرير لوكالة «رويترز»، إذ تراجع سعر العملة في السوق الموازية إلى نحو 7,500 جنيه مقابل الدولار، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو الماضي، بعدما تجاوز سعر الدولار مؤخرًا حاجز 8,000 جنيه، بينما كان يُتداول قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 بنحو 600 جنيه.

لكن الأرقام وحدها لا تكشف حجم المعاناة. ففي أسواق أم درمان، قال أصحاب متاجر إن المبيعات تراجعت بما يصل إلى 70% عن مستوياتها المعتادة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وبحسب تقرير «رويترز»، بدت أرفف بعض المتاجر خالية، في مؤشر على انكماش حركة البيع والشراء، بينما دفعت الارتفاعات المتسارعة في الأسعار الأسر إلى تقليص استهلاكها. وقفز سعر لتر زيت الطعام، على سبيل المثال، من 17 ألف جنيه إلى 23 ألفًا خلال أسبوع واحد. وهنا تظهر الكلفة المباشرة لاستمرار الحرب: عملة تفقد قيمتها، وأسواق تفقد زبائنها، وأسر تفقد قدرتها على شراء احتياجاتها الأساسية.

وتقول «رويترز» إن جزءًا من الأزمة يرتبط بما وصفه محللون بـ«التقسيم الاقتصادي» للبلاد، بعدما أصبحت مناطق إنتاج رئيسية للذهب والماشية والمحاصيل الزيتية والصمغ العربي خارج سيطرة السلطات المتحالفة مع الجيش.

كما أشارت الوكالة إلى أن جزءًا من الإنتاج في المناطق الخاضعة للجيش لا يدخل الموازنة العامة، وإنما يذهب إلى تمويل الحرب أو شبكات الرعاية المرتبطة بها، وفق تقييم الباحث سليمان بلدو.

وفي الوقت نفسه، يواجه الاقتصاد ضغوطًا إضافية من استمرار الإنفاق المرتبط بالحرب. وأقر وزير المالية جبريل إبراهيم، بحسب «رويترز»، بأن المواطن السوداني «يعاني حقًا»، مشيرًا إلى الحاجة إلى العملة الأجنبية لتمويل الحرب وإعادة الإعمار، إلى جانب خسارة عائدات الصادرات.

لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الاقتصاد. فالحرب التي دخلت عامها الرابع تقريبًا دفعت أكثر من 14 مليون شخص إلى النزوح، وفق بيانات نقلتها «رويترز»، بينما يواجه قرابة 20 مليون سوداني مستويات من الجوع، في وقت تراجعت فيه قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

ويأتي ذلك في ظل تراجع الموارد المخصصة للإغاثة. فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي أن تمويل عملياته في السودان انخفض إلى نحو 206 ملايين دولار هذا العام، مقابل 645 مليون دولار في العام السابق، مع حاجة البرنامج إلى قرابة 300 مليون دولار إضافية للحفاظ على عملياته الحالية.

وسط هذا المشهد، تبدو الدعوات إلى وقف إطلاق النار والهدن الإنسانية مرتبطة مباشرة بحياة ملايين المدنيين، لا بمجرد الحسابات العسكرية والسياسية للجيش وكتائب الإسلاميين والقوات المشتركة.

فالولايات المتحدة، إلى جانب «الرباعية الدولية»، طرحت هدنة لمدة 90 يومًا، وقالت مصادر نقلت عنها «رويترز» إن إصدار تأشيرة دخول لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ارتبط بموقفه من المقترح الأميركي.

وكانت قيادة الجيش قد رفضت كل مقترحات الهدن المطروحة من الفاعلين الدوليين والإقليميين خلال الأعوام الماضية، بينما قال البرهان إن وقف إطلاق النار في تجارب سابقة أتاح، بحسب رأيه، لقوات الدعم السريع وداعميها إعادة تنظيم صفوفها.

وبينما يتمسك قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بحساباته الميدانية، يدفع المدنيون الثمن في الأسواق والمنازل والمستشفيات ومراكز النزوح. وتظهر تقارير الأمم المتحدة أن استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى أدى إلى توسيع نطاق الهجمات على المناطق المدنية، مع توثيق سقوط أكثر من ألف قتيل في ضربات بطائرات مسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وفق بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة التي نقلت عنها «رويترز».

كما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن استمرار تدفق السلاح إلى أطراف الحرب يفاقم معاناة المدنيين، داعيًا إلى محاسبة الدول التي تقدم دعمًا عسكريًا يُستخدم في هجمات ضد المدنيين.

وفي ضوء ذلك، لا تبدو أزمة الجنيه منفصلة عن الحرب، ولا ارتفاع الأسعار عن انهيار الإنتاج والتجارة، ولا تراجع المبيعات عن تدهور دخول الأسر. إنها حلقات في سلسلة واحدة تتسع كلما طال أمد القتال.

وفيما تتمسك قيادات الجيش وكتائب الحركة الإسلامية بحسابات السيطرة والتفاوض، تظل فاتورة الحرب على عاتق المواطن السوداني الذي يواجه حسابًا مختلفًا تمامًا: راتب يفقد قيمته، وسلعة ترتفع أسعارها خلال أيام، ومتجر يفقد زبائنه، وأسرة تضطر تدريجيًا إلى التخلي عن احتياجات كانت تعدها أساسية.

وفي المقابل، تواصل القوات المشتركة والحلفاء العسكريون للجيش خوض المعارك إلى جانب القوات المسلحة، بينما تظل الهدنة الإنسانية المقترحة محل تجاذب سياسي وعسكري، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف القتال.

وهكذا يصبح المواطن السوداني محاصرًا بين حرب تستنزف الموارد واقتصاد ينهار تحت وطأتها، بينما تتواصل المواقف السياسية والعسكرية التي تؤخر الوصول إلى هدنة تتيح إيصال المساعدات وتخفيف المعاناة.

وإذا استمر المسار الحالي، فإن السؤال بالنسبة إلى ملايين السودانيين لن يكون فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل كيف يستطيعون الاستمرار في الحياة فوق أرض أنهكتها الحرب والاقتصاد معًا؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.