يواجه الملايين من السودانيين شبح الجوع الشديد، بعد أن تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة الخرطوم بنسبة 100% خلال أسبوع واحد فقط، لينتقل من 250 إلى 500 جنيه سوداني، في أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة حولت السلعة الأكثر شعبية وأهمية لبقاء الإنسان إلى مادة من مواد الرفاهية التي تعجز فئات واسعة عن تأمينها.
وتتحرك الأزمة المعيشية المتفاقمة في البلاد لتقلب الموازين الحياتية للأسر، مدفوعةً بالانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية، والانقطاع الطويل للتيار الكهربائي عقب الاستهدافات المتكررة للبنى التحتية والمحطات الأساسية.
وتختصر سوسن محمود، وهي أم لثلاثة أطفال تبلغ من العمر 44 عاماً، الواقع القاسي قائلة: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط». وتوضح السيدة السودانية بلغة الأرقام أن عائلتها باتت تحتاج إلى نحو 900 ألف جنيه سوداني شهرياً لتأمين الخبز وحده، مؤكدة أن هذا المبلغ يلتهم بالكامل مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري، مما يضعهما أمام معضلة التخلي عن بقية أساسيات الحياة.
تشاطرها عبير محمد، وهي مواطنة أخرى، هذا العبء النفسي والمعيشي الثقيل بقولها: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». وتعكس هذه الشهادات كيف تحولت أنماط التغذية لدى العائلات السودانية من الكفاية إلى التقشف الإجباري، حيث لم يعد الرغيف قاسماً مشتركاً في مائدة الطعام، بل مادة مقننة تُحسب تكاليفها بميزان دقيق لا يحتمل أي خطأ.
تتفاقم الأزمة طردياً مع اعتماد السودان شبه الكامل على استيراد القمح من الخارج، مما يجعل لقمة عيش المواطن رهينة مباشرة لتقلبات أسعار الصرف. وسجل الجنيه السوداني خلال الشهر الماضي فقط تراجعاً قياسياً بفقدانه نحو ربع قيمته أمام الدولار الأميركي، ليتجاوز سعر العملة الخضراء عتبة 10,500 جنيه في السوق الموازية، مقارنة بنحو 500 جنيه فقط قبل اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023. هذا الهبوط الحر للعملة الوطنية رفع تكلفة مدخلات الإنتاج المستوردة بصورة جنونية، ملقياً بظلاله الثقيلة على قطاع المخابز.
ويرى خبراء اقتصاد ونواحي إنسانية أن البلاد دخلت مرحلة “التضخم المفرط لسلال الغذاء الأساسية”. ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الحاكم أن «الاعتماد على واردات القمح مع الانهيار المتواصل للعملة المحلية يمثل معادلة انتحارية للقطاع الغذائي؛ فالقدرة الشرائية للمواطن تلاشت تماماً ولم تعد قادرة على مجاراة أسعار مدخلات الإنتاج المسعرة بالدولار». فيما يضيف الباحث في الشأن الإنساني الأستاذ محمود عثمان أن «عجز المخابز وتحول الأسرة نحو نظام الوجبة الواحدة هو المؤشر المباشر للدخول في مرحلة انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث تتحول الكارثة من مجرد تضخم مالي إلى انهيار في الكتلة الحيوية وأجساد المواطنين الأكثر هشاشة».
ويشتكي محمد الفاتح، صاحب مخبز في الخرطوم، من انسداد الأفق أمام قطاع صناعة الخبز قائلاً: «أغلقت مخابز كثيرة لانه لا يوجد طحين في السوق»، مستطرداً بالقول: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع الطحين ثم تعود بخفي حُنين». ويبرز تصريح الفاتح الخلل العميق في سلاسل الإمداد الداخلية، حيث تحول الحصول على الدقيق إلى رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر والاضطراب، مما أجبر مئات المخابز على تعليق العمل وتسريح عمالها.
تتسع رقعة الانهيار لتشمل مخابز أخرى؛ إذ يحذر متوكل أحمد بابكر من إغلاق مخبزه في جنوب العاصمة بسبب البيع بأقل من التكلفة وعجز الناس عن الشراء، إلى جانب أزمة الكهرباء والوقود باهظ الثمن. وتنعكس هذه الأزمة على أسعار الغذاء بعامة، حيث انخفضت القيمة الغذائية للوجبات وتضخمت أسعار البروتينات بشكل حاد بحسب شهادات من أسواق أم درمان.
وتترافق هذه الظروف القاسية مع عودة السكان للاصطفاف أمام المطابخ المجتمعية (التكايا) طلباً للوجبات، وسط تحذيرات غرف الطوارئ من استحالة الحصول حتى على وجبة يومية واحدة. وتساند هذه المعطيات البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء التي تشير إلى بلوغ معدلات الفقر 80%، بينما تعيق الانقسامات العسكرية وخطوط التماس وصول المساعدات بانتظام بين مناطق السيطرة المختلفة.
تدق التقارير الدولية والأممية ناقوس الخطر إزاء مجاعة معلنة تعصف بآلاف السكان في مناطق مختلفة، مع احتمالية تمددها لتشمل مدناً أخرى. وتتفاقم معاناة المواطنين اليومية مع شح الوقود وطوابير المنتظرين، وهو ما يتطابق مع تحذيرات وزراء خارجية ومسؤولين دوليين من أن نحو 19 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم ملايين في وضع طوارئ قصوى.
وينذر هذا التدهور المركب بأن يصبح رغيف الخبز حكراً على القادرين فقط، محولاً الأمن الغذائي من أزمة مؤقتة إلى انهيار هيكلي يعيد تعريف مقومات البقاء اليومي في البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.