ليست إطلالة أحمد هارون مجرد عودة رجلٍ من عتمة السجن إلى ضوء السياسة؛ إنها استدعاء لثلاثة عقود من تاريخ سلطة فاسدة باطشة زرعت بذور فنائها داخل احشائها، ومحاولة لقراءة الحاضر من خلال شهادة أحد أبرز صُنّاع ماضي هذه السلطة. فحين يتحدث رجل ارتبط اسمه بملفات فظائع دارفور وجنوب كردفان، وتدرّج في مفاصل النظام الأمنية والسياسية، فإن السؤال لا يتعلق بما يقوله فحسب، بل بما تكشفه شهادته عن المشروع الذي أنجبه، والحرب التي قد تكون فرصته الأخيرة لاستعادة حلم السلطة والجاه الذي تكسر في أبريل 2019.
كان هارون أحد وجوه هندسة السلطة الأمنية في عهد الإنقاذ، ومن الأسماء التي ارتبطت بملفات الصراع في دارفور، والتي انتهت إلى ملاحقته من المحكمة الجنائية الدولية. ولم تكن تجربته معزولة عن بنية نظام جعل من عسكرة النزاعات وتوظيف المكونات المحلية أدوات لإحكام السيطرة، حتى غدت إدارة الأزمات بديلاً عن معالجة جذورها، والإفلات من المحاسبة قاعدةً لحماية السلطة.
لكن المفارقة الأشد قسوة أن النظام الذي وسّع دوائر السلاح خارج مؤسسات الدولة، وأسهم في صناعة المليشيات وتكريس تعدد مراكز القوة، وجد نفسه لاحقاً أسيراً للوحش الذي ساهم في تربيته. فقوات الدعم السريع لم تنشأ خارج سياق سياسات نظام الإنقاذ، بل كانت إحدى ثمار هندسته الأمنية للصراعات. وحين تصادمت مراكز القوة، لم تكن الدولة سوى الضحية الكبرى لحسابات السلطة التي صنعت أسباب انهيارها وفائها.
ومن هنا، لا يمكن قراءة حرب الخامس عشر من أبريل بمعزل عن ذلك الإرث. كما لا يمكن تجاهل أدوار القوى التي وجدت في اندلاعها فرصة لإعادة التموضع واسترداد نفوذ فقدته بثورة ديسمبر. فخروج قيادات النظام السابق من السجون مع اندلاع الحرب، وما أحاط به من ملابسات وأسئلة معلقة، ثم انخراط وجوه من التنظيم في التعبئة العسكرية والسياسية، يضع أمام السودانيين سؤالاً جوهرياً: هل تحولت الحرب إلى وسيلة لإنقاذ مشروع سياسي عجز عن استعادة سلطته عبر السياسة؟
إن أخطر ما تكشفه إفادات هارون بشأن حضور الإسلاميين وشبكات العمل الخاص في المشهد العسكري ليس مجرد حجم المشاركة، بل طبيعة العلاقة بين التنظيم ومؤسسات الدولة. فحين تتداخل الولاءات الأيديولوجية مع القرار العسكري والسيادي، تصبح المؤسسة الوطنية عرضة للاختطاف، وتتحول الحرب من معركة لحماية البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات واستعادة السلطة.
ولا يعني ذلك اختزال الحرب في مسؤولية طرف واحد؛ فالمسؤولية المباشرة عن القتال وانتهاكاته تقع على أطرافه، لكن المسؤولية التاريخية والسياسية تقتضي مساءلة كل من أسهم في تفكيك الدولة، أو وجد في استمرار الحرب مصلحةً لبقائه. فثمة فارق بين من يقاتل دفاعاً عن تصور للدولة، ومن يرى في انهيارها فرصة لإعادة إنتاج سلطته.
أما الضغوط والعقوبات والتصنيفات الدولية التي تواجه الحركة الإسلامية، فتضع مشروع عودتها أمام عزلة متزايدة، لكنها لا تكفي وحدها لتفكيك شبكات النفوذ المتجذرة في مؤسسات الدولة. فالمعركة الحقيقية ليست خارجية، بل سودانية في جوهرها: معركة استعادة الدولة من قبضة التنظيمات، وإخضاع السلاح لسلطة المؤسسات، وفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي لا تعترضه وصاية عسكرية أو أيديولوجية.
إن عودة أحمد هارون إلى المنابر ليست عودة إلى السياسة بقدر ما هي محاولة لاستعادة رواية الماضي والتحكم في تفسير الحاضر. غير أن الشهادة، حين تصدر عن أحد صُنّاع التجربة، قد تتحول إلى اعتراف بما حاولت السلطة طويلاً إخفاءه: أن الحرب الراهنة ليست منفصلة عن بنية سياسية وأمنية ساهم النظام السابق في تأسيسها، وأن بعض القوى لا تزال ترى في استمرارها جسراً للعودة.
لقد استعاد الظل صوته، لكن السودان لم يعد يحتمل عودة الذين صنعوا عتمته. فالقضية لم تعد من يحكم البلاد بعد الحرب، بل كيف نمنع الذين أسهموا في صناعة خرابها من وراثة أنقاضها.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.