أحيّي الأستاذ إيهاب الأمين على إثارة هذه القضية المهمة، التي لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد نقاش حول وسيلة من وسائل ضبط التلاميذ، وإنما باعتبارها قضية تتصل بجوهر التربية، وبنوع الإنسان الذي نريد أن نصنعه، وبمستقبل مجتمع ظل يدفع أثماناً باهظة لثقافة العنف والطاعة العمياء.
لقد كتبتُ في هذه القضية عدداً من المقالات، حذّرت فيها من استخدام العنف في المدارس، ومن تلك العقلية التي ما زالت ترى في جلد الأطفال وضربهم وإهانتهم وسيلة مشروعة للتربية والتعليم. وقلت، وما زلت أقول، إن المدرسة التي تستخدم العنف لا تربي إنساناً سوياً، وإنما تسهم في صناعة شخصية مشوهة، قد تتحول، حين تكبر، إلى قاتل، أو منتهك لحقوق الآخرين، سواء أكان أمْنجياً أم عسكرياً أم شرطياً أم موظفاً عديم الرحمة، يجد لذته في ممارسة سلطته على من هم أضعف منه.
وهذا ليس حكماً على كل من تعرض للضرب في طفولته، وإنما هو تحذير من الأثر التربوي والاجتماعي لثقافة العنف حين تتحول إلى منهج في التعامل مع الإنسان. كما أنه ليس حكماً على كل من يعمل في الأجهزة الأمنية أو العسكرية أو الشرطية، وإنما هو نقد للعقلية التي تبرر البطش وتمنح صاحب السلطة حق الاعتداء على الآخرين.
إن الطفل الذي يُضرب لأنه أخطأ، ويتلقى الإهانة لأنه لم يحفظ درساً، ويُجلد لأنه لم يستجب لأمر معلمه، يتعلم شيئاً أخطر بكثير من الدرس الذي عجز عن حفظه. إنه يتعلم أن القوة هي التي تحسم الخلاف، وأن صاحب السلطة يملك الحق في إيذاء من يقع تحت سلطته، وأن الضعيف لا يملك إلا الخضوع والصمت. وحين يُهان أمام زملائه، يتعلم أن كرامته قابلة للمصادرة، وأن عليه أن يقبل الإذلال حتى يتجنب العقوبة.
ثم نندهش بعد ذلك حين نرى مواطناً يصفق للجلاد، أو موظفاً يستمتع بإذلال المراجعين، أو عسكرياً يرى في تعذيب الناس واجباً وطنياً، أو مسؤولاً يتعامل مع حقوق المواطنين باعتبارها منحة منه، لا حقوقاً أصيلة لهم!
من أين جاءت هذه القابلية المدهشة للاستبداد؟ وكيف نشأت هذه الطاعة التي لا تسأل، وهذا الخوف الذي يتنكر في ثوب الاحترام؟ أليس من بين منابعها تلك التربية التي عوّدت الطفل على الخضوع للقوة بدلاً من الاحتكام إلى العقل، وعلى الخوف من العقوبة بدلاً من فهم المسؤولية، وعلى صون كرامة الأقوى منه على حساب كرامته هو؟
إن المدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات وحدها، بل هي مؤسسة لصناعة الإنسان. وما يتعلمه الطفل من سلوك معلمه قد يكون أعمق أثراً مما يتعلمه من الكتاب المدرسي. فإذا كان المعلم يطلب من تلميذه الصدق وهو يكذب عليه، ويحذره من الاعتداء وهو يضربه، ويحدثه عن الكرامة وهو يهينه، فأي درس يبقى في نفس هذا الطفل؟
أما الحجة التي يرددها بعض المعلمين وأولياء الأمور: «لقد ضُربنا ونحن صغار، وخرجنا رجالاً»، فهي حجة لا تصمد أمام أبسط أسئلة العقل. فليس كل ما تعرضنا له في طفولتنا جديراً بأن نورثه لأبنائنا. ولو كان مجرد اعتياد الإنسان على الألم دليلاً على صحة الوسيلة التي أنتجته، لوجب علينا أن نشكر كل من عذبنا وأهاننا، وأن نطالب بتعميم التجربة على الأجيال القادمة!
لقد كبرنا، نعم، ولكن هل كبرنا دون ندوب؟ وهل كانت كل تجاربنا التربوية صحيحة لمجرد أننا نجونا منها؟ وهل يجوز أن نجعل من معاناة جيل سابق قانوناً تربوياً ملزماً لجيل جديد؟
إن التربية ليست إعادة إنتاج أخطائنا، وإنما هي فرصة لتجاوزها.
والأخطر أن ثقافة الضرب لا تقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى البيت والشارع ومؤسسات الدولة. إنها جزء من بنية اجتماعية تجعل الكبير دائماً على حق، وصاحب السلطة فوق المساءلة، وتجعل الطاعة فضيلة حتى حين يكون المطلوب هو طاعة الظلم. ولذلك فإن محاربة العنف في المدارس ليست ترفاً تربوياً، بل هي معركة في سبيل بناء مجتمع يحترم الإنسان وحقوقه.
نحن لا نريد جيلاً يخاف المعلم، وإنما جيلاً يحترمه. ولا نريد تلاميذ يحفظون الدروس تحت تهديد العصا، وإنما عقولاً تحب المعرفة، وتتعلم بدافع الفضول والرغبة والاقتناع. ولا نريد مواطنين يتقنون الانحناء أمام أصحاب السلطة، وإنما أناساً يعرفون حقوقهم، ويمارسون واجباتهم، ولا يتنازلون عن كرامتهم.
والمعلم الذي يعجز عن إدارة الفصل إلا بالعصا، إنما يكشف عن قصور في أدواته التربوية، لا عن قوة في شخصيته. فهناك فرق شاسع بين الانضباط والإذلال، وبين الحزم والعنف، وبين التقويم والانتقام. والمعلم الحقيقي هو الذي يستطيع أن يكسب عقل التلميذ وقلبه، لا الذي يستطيع أن يجعله يرتجف خوفاً منه.
ولذلك فإن مسؤولية وزارة التربية لا ينبغي أن تقتصر على إصدار القرارات التي تمنع الجلد، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تدريب المعلمين على أساليب التربية الحديثة، وتوفير آليات فعالة للمحاسبة، وحماية التلاميذ من كل أشكال الاعتداء البدني والنفسي واللفظي. كما تقع على أولياء الأمور مسؤولية الدفاع عن كرامة أبنائهم، وعدم تسليمهم لمن يظن أن حقه في تعليمهم يمنحه حق الاعتداء عليهم.
إن الطفل ليس ملكاً لأبيه، ولا ممتلكات للمدرسة، ولا تابعاً لمعلمه. إنه إنسان كامل الكرامة، له حقوق يجب أن تُحترم، ومن أول هذه الحقوق أن يتعلم في بيئة آمنة، خالية من الخوف والإهانة والعنف.
إن السودان الذي نحلم به، السودان الذي تسوده الحرية والعدالة والسلام، لن تصنعه مناهج دراسية جديدة وحدها، ولا مبانٍ مدرسية حديثة، ولا أجهزة إلكترونية متطورة، وإنما يصنعه إنسان جديد تحرر من الخوف، وتعلم احترام نفسه واحترام الآخرين.
ولن نستطيع بناء دولة ديمقراطية بعقول تربت على الاستبداد، ولا إقامة مجتمع تسوده العدالة بأيدٍ اعتادت البطش، ولا تحقيق السلام بأرواح لم تتعلم في طفولتها سوى لغة العنف.
إن أردنا أن نوقف صناعة الجلادين، فعلينا أن نبدأ من المدرسة. وإن أردنا جيلاً حراً، فعلينا أن نكف عن تربيته بالخوف. فالطفل الذي نحفظ كرامته اليوم هو المواطن الذي سيحفظ كرامة وطنه غداً.
ولنقلها بوضوح: لا للتعذيب باسم التربية، لا للإهانة باسم التأديب، ولا للعنف باسم التعليم. فالمدرسة التي تكسر نفس الطفل لا تبني مستقبله، وإنما تهدم فيه الإنسان الذي نرجو أن ينهض بالسودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.