إعادة تموضع الإسلاميين عبر بوابة الحرب

هشام محمد شريف

 

لا تبدو مقابلة أحمد هارون مجرد حديث عن الحرب ومستقبل السودان، بل محاولة واضحة لإعادة تموضع الإسلاميين، والمؤتمر الوطني تحديدًا، بعد سقوط نظام الإنقاذ واندلاع الحرب. الرسالة التي يحاول تمريرها هي أن الإسلاميين ليسوا قوة انتهى دورها بسقوط البشير، بل قوة وطنية ما زالت ضرورية لحماية الدولة والجيش. وبهذا ينقل النقاش من سؤال مسؤولية نظام الإنقاذ عن الأزمة إلى سؤال آخر: من يقف مع الجيش ومن يقف ضد الدولة؟ وهذا نقل مهم، لأنه يعيد تقديم الإسلاميين من موقع المسؤول عن الماضي إلى موقع المدافع عن الحاضر، ومن موقع المتهم إلى موقع الشريك الذي لا يمكن تجاوزه.

الرسالة المعلنة في المقابلة هي دعم القوات المسلحة ورفض الدعم السريع، وتقديم الحرب باعتبارها دفاعًا عن الدولة والسيادة والكرامة الوطنية. وهذه رسالة تجد صدى لدى قطاعات واسعة من السودانيين بسبب ما شهدته البلاد من عنف وانتهاكات وانعدام أمن في مناطق متعددة. لكن دعم الجيش في خطاب هارون ليس موقفًا وطنيًا عامًا فقط، بل يحمل مضمونًا سياسيًا إضافيًا: الإسلاميون يريدون أن يتحول دعمهم للجيش إلى رصيد يبرر عودتهم إلى المجال العام بعد الحرب. والرسالة الضمنية هي أن الجيش لا يستطيع الانتصار أو إدارة الدولة من دون الإسلاميين، وأن أي مستقبل للسودان لا يمكن أن يُبنى بتجاهلهم. هنا يتحول الدعم إلى صفقة سياسية غير معلنة: الجيش يحتاج التنظيم والكوادر والحشد، والإسلاميون يحتاجون حماية سياسية وشرعية جديدة. لذلك لا يبدو التحالف بين الطرفين تحالفًا فكريًا أو وطنيًا خالصًا، بل تحالف مصلحة فرضته الحرب.

ظهور هارون الآن له دلالات متعددة. الحرب غيّرت ترتيب الأسئلة، فقبلها كان السؤال المركزي هو مسؤولية نظام الإنقاذ عن ثلاثين عامًا من الاستبداد والحروب وتفكيك الدولة. وبعد اندلاعها أصبح السؤال الأكثر حضورًا هو من يحمي المواطنين ومن يوقف القتال ويعيد الأمن. وهذا التحول يخدم رموز النظام السابق، لأنه ينقل النقاش من الماضي إلى الخطر الحالي. كما أن الظهور يقطع الطريق على أي تسوية تستبعد الإسلاميين، ويرسل رسالة إلى الجيش والوسطاء الإقليميين والدوليين بأنهم موجودون وليسوا مجرد بقايا معزولة. وهناك أيضًا جانب يتعلق برفع معنويات القواعد، عبر رواية تقول إن مشاركة الإسلاميين ليست عودة انتقامية إلى السلطة، بل استجابة وطنية لخطر محدق. لكن هذه الرواية لا تجيب عن سؤال أساسي: إذا كان الإسلاميون لا يريدون السلطة، فلماذا يسعون إلى تثبيت وجودهم العسكري والتنظيمي والسياسي في مرحلة الحرب؟ ويمكن قراءة الظهور كذلك باعتباره اختبارًا لردود الفعل، فهل يستطيع شخص مطلوب دوليًا ومرتبط بنظام الإنقاذ أن يتحدث علنًا دون تكلفة؟ وهل أصبح شعار الدفاع عن الدولة كافيًا لتجاوز أسئلة دارفور والعدالة والسلطوية؟

المشكلة أن خطاب هارون يتجاوز مسؤولية الإسلاميين عن الأزمة. فنظام الإنقاذ حكم السودان أكثر من ثلاثين عامًا، وسيّس مؤسسات الدولة، وأضعف الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، ووسّع نفوذ الأجهزة الأمنية، واستخدم الحرب وسيلة لإدارة الأطراف. والأهم في هذا السياق أن نظام الإنقاذ هو من فتح باب القوات الموازية على مصراعيه: الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، والأمن الشعبي، وحرس الحدود، ثم الدعم السريع، ومن بعده أو إلى جانبه أشكال مثل درع الشمال ودرع البطانة ودرع السودان ودرع الغرب. ومازال الرحم ينجب. هذه القوات لم تظهر من فراغ، بل خرجت من منظومة سياسية وأمنية استخدمت القوة الموازية عندما كانت تخدم بقاء النظام، ثم تحولت إلى خطر عندما أصبحت منافسًا مستقلًا. والدعم السريع نفسه لم يظهر خارج تاريخ الإنقاذ، فقد تشكل رسميًا عام 2013 وله جذور في حرب دار فور التي ارتبطت بحكومة البشير . ومن هنا واحدة من أكبر مناطق التناقض في خطاب هارون: فهو يتحدث عن خطر المليشيا وانهيار الدولة، وهذا توصيف مهم للخطر الحالي، لكنه لا يقدم مراجعة كافية لدور نظام الإنقاذ في إنشاء البنية التي سمحت لهذه القوات الموازية بالنشوء والتوسع.

ينبغي الحذر في مسألة المسؤولية المباشرة عن حرب 2023. لا يكفي الانتماء إلى الحركة الإسلامية لإثبات أن الإسلاميين وحدهم أشعلوا الحرب أو أطلقوا الرصاصة الأولى. فقد اندلعت الحرب في سياق صراع مباشر بين القوات المسلحة والدعم السريع حول الدمج وترتيبات الانتقال والسلطة. لكن إثبات أن الإسلاميين وحدهم أشعلوا الحرب لا يلغي ايضا مسؤوليتهم السياسية عن إنتاج البيئة التي جعلتها ممكنة، ولا يلغي احتمال تورط أفراد و شبكات منهم في قرارات و تحالفات مرتبطة بالصراع، وهي نقطة لها أدلتها وليست تعميمات.

أقوى تناقض في المقابلة هو الحديث عن الدولة بعد أن ساهم نظام الإنقاذ في تسييسها وتفكيك مؤسساتها. الدولة التي يتحدث عنها هارون ليست فقط مؤسسات عامة، بل دولة جرى خلال عقود ربطها بالولاء السياسي والأمني. وعندما تصبح الدولة مرتبطة بحزب أو تيار، فإن الدفاع عنها قد يتحول إلى دفاع عن شبكة مصالح لا عن جميع المواطنين. كذلك فإن خطاب حماية الجيش يطرح سؤالًا آخر: هل يريد الإسلاميون جيشًا وطنيًا محايدًا، أم جيشًا يحمي مشروعهم السياسي؟ وهل الجيش مؤسسة قومية، ام زراعا للاسلاميين ؟فلا ينبغي أن يكون دعمه بوابة لإعادة حزب معين إلى الحكم. ويتكرر التناقض في الحديث عن الديمقراطية والانتخابات، فهذا الخطاب يصطدم بتاريخ نظام وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989 وحكم ثلاثة عقود. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل قبول تداول السلطة، وقبول الهزيمة الانتخابية، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وحياد الجيش، وحماية المعارضة، وعدم استخدام الدولة لمصلحة حزب واحد، ومحاسبة من ارتكب الجرائم. والسؤال الحقيقي ليس هل يقبل الإسلاميون بالانتخابات، بل هل يقبلون بنتيجة يخسرونها، وبجيش لا يضمن لهم السلطة، وبمحاسبة رموز النظام السابق؟

هناك أيضًا التناقض بين خطاب العدالة ووضع أحمد هارون نفسه. فالمحكمة الجنائية الدولية أصدرت بحقه مذكرة توقيف عام 2007 تتعلق باتهامات تشمل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور. وهذا لا يعني أنه أُدين بحكم نهائي، فالمذكرة تعني وجود اتهامات وإجراءات قضائية لا صدور حكم بالإدانة. لكن وضعه القانوني يجعل حديثه عن العدالة والمواطنين والدولة شديد الحساسية. والتناقض هنا لا يقتصر على شخصه، بل يرتبط بنمط سياسي أوسع: العدالة مطلوبة عندما تطال الخصوم، وتصبح مؤامرة عندما تقترب من رموز النظام، وحماية المدنيين تصبح مبدأً عامًا عند الحديث عن الدعم السريع، لكنها لا تستدعي بالقدر نفسه مراجعة ما حدث في دارفور خلال سنوات الإنقاذ. والرد السياسي على المحكمة يمكن أن يكون نقدًا لاختصاصها أو تسييسها، لكن الرد القانوني هو المثول أمام القضاء وتقديم الدفاع، لا الاكتفاء بتحويل القضية إلى شعار سياسي.

الحرب تمنح الإسلاميين فرصة سياسية لم تكن متاحة لهم بعد ثورة ديسمبر. قبل الحرب كان عليهم الإجابة عن سجلهم في الحكم، أما أثناءها فيحاولون تقديم أنفسهم باعتبارهم القوة الأكثر تنظيمًا، والحليف الأكثر صلابة للجيش، والطرف الأكثر قدرة على التعبئة، والحارس الأهم للدولة، والقوة التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية. وهذه الصورة تمنحهم ثلاثة مكاسب: استعادة الشرعية عبر استبدال صورة النظام القمعي بصورة المدافعين عن الدولة، ومنع الإقصاء عبر إقناع الجيش والوسطاء بأن استبعادهم سيؤدي إلى فراغ أو فوضى، وتحويل المشاركة في الحرب إلى رصيد سياسي يمكن المطالبة بثمنه لاحقًا. وهنا جوهر العودة عبر الحرب: أن تتحول المشاركة العسكرية إلى شرعية سياسية.

الظهور العلني لشخصية مطلوبة دوليًا يحمل رسالة تحدٍ مزدوجة. إلى الداخل يقول الإسلاميون إنهم موجودون ولم ينته دورهم، ولا تستطيع القوى المدنية أو الثورة أو الملاحقة القانونية إقصاءهم. وإلى الجيش يقولون إنهم حليفه التنظيمي والسياسي، وأن أي محاولة لاستبعادهم بعد الحرب ستكلفه كثيرًا. وإلى المجتمع الدولي يقولون إن القرارات الدولية لا تمنعهم من الحركة والتأثير، ولا يمكن بناء مستقبل السودان دون التعامل معهم. لكن هذا التحدي قد ينقلب ضد صاحبه، لأن الظهور يجعل المكان والنشاط واضحين، ويعيد ملف المحكمة الجنائية إلى الواجهة بدل دفنه.

الخطاب يتنكر أو يقلل من حضور عدة حقائق: تاريخ الإنقاذ، ودور النظام في صناعة القوات الموازية، ومسؤولية الانقلاب على الانتقال في أكتوبر 2021، وفشل مشروع الإسلاميين الذي سقط نتيجة رفض شعبي واسع لا مجرد مؤامرة أو إقصاء مؤقت. لذلك يمكن تقييم المقابلة بأنها ذكية سياسيًا من حيث اختيار اللحظة وإعادة ترتيب الأسئلة، لكنها تعاني تناقضات جوهرية: تدين المليشيات مع تجاهل دور النظام في نشأتها ومواصلته في صنع المزيد ، وتتحدث عن الدولة بعد أن ساهم النظام في تسييسها وتفكيك مؤسساتها، وتتحدث عن الديمقراطية دون مراجعة انقلاب 1989 أو تجربة الثلاثين عامًا، وتتحدث عن حماية المدنيين دون مواجهة سجل دارفور، والنيل الازرق وجبال النوبه وجنوب السودان سابقا …حتى الخرطوم .وتتحدث عن العدالة بينما يرفض المطلوب المثول أمام المحكمة. وبهذا يمكن قراءة الظهور باعتباره محاولة لإعادة تأهيل الإسلاميين عبر الحرب، لا مراجعة حقيقية للماضي.
الموقف الأكثر اتساقًا هو رفض عودة الإسلاميين إلى السلطة، ورفض أن يستبدل السودان سلطة حزبية عسكرية بسلطة مسلحة اخرى. المطلوب سلطة مدنية حقيقية، ومحاسبة شاملة لكل من ارتكب الجرائم، وتفكيك البنى التي أنتجت الحرب، ومنع أي حزب أو جيش أو قوات موازية أخرى من مصادرة الدولة مرة أخرى. وهنا يبقى السؤال معلقًا: إلى متى ستستمر هذه البنى في إنتاج قواتها؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.