صراع بورتسودان.. هل تنفضّ شراكة الدم؟

نورا عثمان

منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، والخرائط السياسية والعسكرية في السودان تُعاد صياغتها على وقع المصالح الضيقة لكتلة صماء من تجار الحروب. غير أن المشهد اليوم داخل كواليس معسكر بورتسودان يشهد تشققات عميقة وصراعات مكتومة تكاد تطفو على السطح؛ فأكذوبة “التحالف الوطني العريض” تتداعى، وتلك الزيجة القسرية التي جمعت قيادة الجيش بفلول تنظيم الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) تبدو وكأنها وصلت إلى حافة الانهيار. فهل نحن على موعد مع الانفضاض الوشيك لشراكة الدم التي أحرقت السودان وأذاقت شعبه أمرين؟
لم تقم شراكة بورتسودان على أساس وطني أو استراتيجي يخدم مصلحة البلاد، بل وُلدت وترعرعت في رحم “المؤامرة”. فالجنرالات الباحثون عن غطاء سياسي يحميهم من تبعات الفشل والإخفاقات الميدانية، وجدوا ضالتهم في فلول النظام البائد الذين استبسلوا لإعادة تدوير وجوههم وميليشياتهم عبر بوابات المؤسسة العسكرية.
أصبح هذا التحالف أشبه بـ “زواج متعة” آثم، تقاسمت فيه قيادة الجيش الواجهات الرسمية، بينما تسلل أمنجية وقادة التنظيم الإسلامي إلى مفاصل القرار الخلفية، ليوجهوا بوصلة الحرب نحو هدف واحد: منع أي تسوية سلمية تقود إلى التحول المدني، وضمان عدم محاسبتهم على جرائم الماضي والحاضر. لكن هذه الشراكة، المبنية أساساً على الخوف المتبادل والصفقات القذرة، تحمل في طياتها بذور فنائها.
في الأسابيع الأخيرة، لم يعد ممثلوا الجانبين إخفاء حالة التنافس الشرس على مراكز النفوذ. فالحرس القديم للتنظيم (بقيادة علي كرتي وأمثاله) يراقب بقلق جم صعود بعض القيادات الميدانية الشابة والواجهات الجديدة التي حاولت خطف الأضواء وبناء قواعد قوة مستقلة، مما أدى إلى عمليات تقليم أظافر وتصفيات نفوذ صامتة – شهدنا شواهدها في كواليس إبعاد بعض الأسماء المثيرة للجدل أو التخلص من منافسين في غفلة من أمرهم.
وفي المقابل، يبدأ قادة الجيش تدريجياً في إدراك التكلفة الباهظة لهذه الوصاية الأيديولوجية؛ فالعزلة الدولية المطبقة، ورفض العالم أجمع لاستمرار هذه الحرب، وحالة التململ الشعبي العارم من سيطرة “الفلول” على قرار بورتسودان، كلها عوامل تضع الجنرالات أمام مرآة الحقيقة المرعبة: إنهم يُدفعون إلى حتفهم خدمةً لأجندة جماعة معزولة شعبياً وملاحقة تاريخياً.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس عما إذا كان هذا التحالف سينفضّ أم لا، بل متى وكيف سيكون هذا الانفجار؟ تاريخياً، لا تعرف جماعة الإسلام السياسي معنى للولاء الوطني؛ فهي لا تتردد في التضحية بحلفائها متى ما شعرت أن الغرق بات محتوماً، بينما يبحث الجنرالات عن طوق نجاة يخرجهم من مستنقع العزلة قبل أن يطاولهم حساب الشعب والتاريخ. لكن انفراط عقد هذه الشراكة لن يتم بهدوء، بل سيخلف وراءه زلزالا سياسيا داخليا يهدد بتداعي ما تبقى من هيكل السلطة المترهل في بورتسودان.
شراكة الدم والخراب بين الجنرالات وفلول النظام البائد لم تجلب للسودان سوى الدمار والتشرد ومزيد من دماء الأبرياء. وسواء انفضّت هذه الشراكة اليوم أو غداً بفعل صراعاتهم البينية على السلطة والغنيمة، فإن حقيقة واحدة تبقى راسخة: لن تنجو أي من هذه الأطراف من غضب شعب أقسم أن يكنس كل سماسرة الحروب، وأن يعيد بناء سودان الحرية والسلام والعدالة على أنقاض أوهامهم المنهارة!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.