لم تعد أزمة السودانيين اليوم تُقاس فقط بما يجري في ساحات القتال، ولا بعدد المدن التي دمرتها الحرب، وإنما أيضاً بمدى قدرة الجهة أو السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع، التي تزعم رعايتهم وخدمتهم، على الوفاء بهذه المسؤولية. وينطبق ذلك على حكومة بورتسودان، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ود. كامل إدريس، التي تزعم قدرتها على رعاية مواطنيها وخدمتهم، في وقت يواجهون فيه الجوع والانهيار الاقتصادي.
وفي بلد تتسع فيه دائرة الاحتياج الإنساني في صمت غاضب، وتنهار فيه قيمة العملة الوطنية، ويكافح الملايين لتأمين وجبة واحدة، تبدو معركة الحكومة حول مكان وجودها أكثر إثارة للأسئلة من كونها مجرد ترتيبات إدارية.
فحكومة «بورتسودان»، التي أدارت شؤون البلاد من مدينة بورتسودان بولاية البحر الأحمر خلال سنوات الحرب، بعد انتقال مؤسساتها إليها إثر اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجدت نفسها أمام اختبار مختلف بشأن تراجع القاعدة الجماهيرية، مقارنة بما كانت عليه قبيل اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: أين تجلس حكومة البرهان وكامل إدريس؟ بل: ماذا تفعل حكومتهما من أجل المواطن الذي لم يعد قادراً على الجلوس إلى مائدة الطعام؟
دولة تبحث عن العنوان والمواطن يبحث عن الخبز
في الوقت الذي تنشغل فيه السلطة بإعادة ترتيب صورتها وموقعها الجغرافي، تتسع الفجوة بين الدولة ومواطنيها. فالخرطوم التي عادت إليها مؤسسات حكومة بورتسودان ليست مدينة تعافت من الحرب بالكامل، والولايات التي ظلت خارج مركز الاهتمام تعاني من أزمات الغذاء والمياه والخدمات والنزوح.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية حجم الكارثة. فقد قالت اليونيسف إن نحو 33.7 مليون سوداني كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال النصف الأول من 2026، بينهم أكثر من 17 مليون طفل، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً أكثر من 9.1 ملايين شخص.
أما الغذاء، فقد أصبح عنواناً قائماً بذاته للأزمة. ووفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، كان نحو 19.5 مليون شخص، أي 41% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة. كما حُدد خطر المجاعة في 14 منطقة بدارفور وجنوب كردفان، في سيناريو استمرار القتال وتقييد وصول المساعدات.
هذه الأرقام لا تتحدث عن أزمة بعيدة عن الخرطوم أو عن إقليمي كردفان ودارفور فقط. إنها صورة لبلد بأكمله تتآكل فيه القدرة على شراء الطعام، فيما يتراجع دخل الأسر أمام الارتفاع المتواصل في الأسعار.
الجنيه يسقط.. والمواطن يدفع الفاتورة
اقتصادياً، لا يحتاج السوداني إلى تقرير دولي حتى يدرك حجم الانهيار. يكفي أن يدخل السوق. فقد الجنيه السوداني جزءاً كبيراً من قيمته خلال الأشهر الأخيرة، وذكرت رويترز في 22 سبتمبر أن سعر الدولار في السوق الموازية بلغ نحو 7,500 جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو، في وقت أدى فيه تدهور العملة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قدرة الأسر على الإنفاق.
وهنا يصبح الرقم المتداول في الأسواق، والذي يقترب من 9 آلاف جنيه للدولار في بعض التعاملات، أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي؛ إنه انعكاس مباشر على مائدة الأسرة السودانية، وعلى أسعار الدقيق والخبز والدواء والوقود والنقل. المشكلة أن المواطن لا يتعامل مع الدولار بوصفه مؤشراً في نشرة اقتصادية. المواطن يراه في سعر كيس الدقيق، وأجرة المواصلات، وسعر الدواء، وتكلفة إيجار المنزل، وثمن وجبة الأطفال. كلما ارتفع الدولار، تقلصت قدرة الأسرة على البقاء.
حكومة أمام أزمة أكبر من مكاتبها
المفارقة أن حكومة بورتسودان لم تعد تملك حتى ترف التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة منطقة بعينها. فبرنامج الأغذية العالمي حذر في يوليو من تدهور الوضع الإنساني في الأبيض، مشيراً إلى أن المدينة تستضيف مئات الآلاف من النازحين، وأن إمدادات الغذاء والوقود والمياه أصبحت شحيحة، فيما تجاوزت مخيمات النازحين طاقتها الاستيعابية.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الأمم المتحدة أن عودة مؤسساتها إلى الخرطوم أصبحت جزءاً من جهود أوسع لإعادة العمل من العاصمة. وفي أبريل، أعلن برنامج الأغذية العالمي عودة مكتبه القطري إلى الخرطوم بعد ثلاث سنوات من الحرب، بالتزامن مع استمرار مستويات قياسية من الجوع. وهذا يطرح سؤالاً سياسياً وإدارياً لا يمكن القفز فوقه: إذا كانت العاصمة تستعيد تدريجياً موقعها كمركز للدولة والمنظمات الدولية، فما الذي يمنع السلطة من جعل حياة المواطن، وليس موقع الحكومة، معياراً لنجاح المرحلة المقبلة؟
الانتقال من بورتسودان ليس مجرد انتقال جغرافي
عودة حكومة البرهان إلى الخرطوم ينبغي ألا تتحول إلى عملية نقل للمكاتب واللافتات والسيارات الرسمية فقط. فالعودة الحقيقية تعني عودة الحكومة إلى مسؤولياتها تجاه المواطنين في الخرطوم وأم درمان وسنار وكسلا والقضارف ونهر النيل ودنقلا.
تعني أن يشعر المواطن في كل هذه المدن بأن حكومة «البرهان وكامل» موجودة من أجله، وأن يشعر النازح في دارفور بأن الدولة لا تتذكره فقط عندما تحتاج إلى شرعية سياسية، وأن يجد المواطن في الشمال وكردفان وشرق السودان الخدمات الأساسية التي يحتاجها للبقاء. أما أن تتحول العودة إلى محاولة لإثبات أن الحكومة ليست مجرد سلطة أمر واقع تدير ملفاتها من بورتسودان، فهذا وحده لا يكفي. شرعية الحكومة لا تُثبت بتغيير عنوان المكاتب، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها وإطعامهم وتوفير الخدمات لهم.
تستطيع حكومة بورتسودان أن تنقل مقارها من بورتسودان إلى الخرطوم، وأن تعقد الاجتماعات في القصر الجمهوري، وأن تعلن عودة الوزارات والمؤسسات. لكن المواطن الذي يقف أمام السوق عاجزاً عن شراء احتياجات أسرته لن يرى في ذلك عودة للدولة ما لم يلمس أثراً حقيقياً في حياته.
السودان اليوم لا يحتاج إلى حكومة تثبت أين تعمل، بقدر ما يحتاج إلى حكومة تثبت لمن تعمل. وفي بلد يواجه فيه نحو عشرين مليون شخص مستويات خطرة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يواصل الجنيه فقدان قيمته، تصبح الأولوية أبسط من كل الشعارات: الخبز قبل المكاتب، والدواء قبل المؤتمرات، والاقتصاد قبل البيانات، والمواطن قبل صورة الحكومة. فالحكومة التي تنتصر في معركة المكان، لكنها تخسر معركة لقمة العيش، قد تكون استعادت عاصمتها جغرافيًا من بورتسودان إلى الخرطوم، لكنها لم تستعد بعدُ ثقة مواطنيها.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.