انهيار الاقتصاد يختبر الشارع السوداني.. هل تقترب لحظة الانفجار؟

تقرير: عين الحقيقة

دخلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في السودان مرحلة بالغة الخطورة، مع الانهيار المتسارع للعملة الوطنية وتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 8 آلاف جنيه سوداني، الأمر الذي انعكس على الأسواق في صورة شلل شبه تام، وتوقف عدد كبير من المصانع والشركات عن الإنتاج أو البيع، بالتزامن مع تفاقم الجوع وارتفاع الأسعار بصورة تستنزف دخول المواطنين.

وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية وانكماش القدرة الشرائية، تتزايد التساؤلات في أوساط المراقبين والشارع السوداني حول مدى تشابه الظروف الراهنة مع تلك التي أسهمت في اندلاع ثورة ديسمبر 2018 وأطاحت بنظام المؤتمر الوطني، وما إذا كانت المعالجات الأمنية قادرة على احتواء الاحتقان المتزايد، في ظل أزمة اقتصادية تتداخل بصورة مباشرة مع تداعيات الحرب.

أولاً: بين دوافع ثورة ديسمبر والواقع الراهن

رغم التقاطع الظاهري في بعض الدوافع الاقتصادية، مثل الغلاء وشح السيولة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فإن القراءة الأعمق للمشهد تكشف اختلافات هيكلية كبيرة بين المرحلتين.

طبيعة الانهيار

اندلعت ثورة ديسمبر في ظل دولة قائمة كانت تعاني من أزمة سيولة وارتفاع في الأسعار، لكن مؤسسات الدولة كانت تعمل، كما ظل النشاط الاقتصادي مستمرًا بدرجات متفاوتة.

أما اليوم، فتأتي الأزمة في سياق اقتصاد حرب مباشر، شهد تدميرًا واسعًا للبنية التحتية الصناعية في الخرطوم والجزيرة، وتراجعًا حادًا في الصادرات، وفقدانًا لمصادر مهمة من النقد الأجنبي، فضلًا عن نزوح الملايين وتحول جزء كبير من التحويلات الخارجية إلى تمويل الاحتياجات الأساسية للنازحين والمواطنين في دول الجوار.

تغير الخريطة المجتمعية والمدنية

في عام 2018، كانت هناك كتلة مدنية واسعة وفاعلة في المراكز الحضرية، ضمت لجان المقاومة والتجمع المهني وقوى مدنية وسياسية مختلفة.

أما اليوم، فقد أدت الحرب إلى تهجير وتشتيت قطاعات واسعة من المجتمع المدني والطبقة الوسطى، ما جعل تنظيم حراك جماهيري سلمي ومنظم ومتماسك أمرًا بالغ الصعوبة.

أولويات الشارع

تغيرت أولويات المواطن السوداني بصورة كبيرة. ففي عام 2018، كان التغيير السياسي والتحول الديمقراطي في صدارة المطالب الشعبية، بينما أصبحت الأولوية اليوم مرتبطة بالأمان الشخصي والبقاء على قيد الحياة، في ظل انتشار السلاح وتفاقم الجوع والأمراض والنزوح.

ثانياً: حدود الحلول الأمنية وقمع الاحتجاجات

تتجه حكومة بورتسودان إلى تبني مقاربة أمنية حازمة في التعامل مع الأصوات الرافضة للأوضاع الاقتصادية أو الاحتجاجات المطالبة بتحسين الظروف المعيشية، كما شهدت بعض الولايات، من بينها القضارف، تحركات واحتجاجات مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية.

غير أن هذه المقاربة تواجه حدودًا واضحة قد تحول دون قدرتها على معالجة جذور الأزمة على المدى المتوسط والطويل.

غياب الفاعلية الاقتصادية للحل الأمني

يمكن للأجهزة الأمنية فض تظاهرة أو توقيف ناشطين، لكنها لا تمتلك أدوات مباشرة لكبح التضخم أو توفير النقد الأجنبي أو معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، خصوصًا في ظل اضطراب سوق الصرف وتراجع الإنتاج والصادرات.

فوضى السلاح والمضاربات

تعتمد شرائح من تجار الحرب والمضاربين على حالة الفراغ والاضطراب للمتاجرة بالمواد الغذائية والوقود والذهب والنقد الأجنبي. وتواجه المقاربة الأمنية الانتقائية صعوبة في التعامل مع هذه الشبكات المعقدة التي تستفيد من استمرار الحرب وتراجع الرقابة على الأسواق.

حدود القمع في ظل شح الموارد

يتطلب استمرار القبضة الأمنية موارد مالية ولوجستية لدعم الأجهزة التنفيذية والأمنية، وهي موارد تتآكل مع انخفاض الإيرادات الحكومية وتراجع النشاط الاقتصادي والجباية العامة.

وبالتالي، فإن قدرة الدولة على الاعتماد طويلًا على الحل الأمني تظل مرتبطة بقدرتها على توفير الموارد اللازمة، وهو أمر يزداد صعوبة مع استمرار التدهور الاقتصادي.

مسارات المشهد المستقبلي

يضع استمرار العجز الحكومي عن ضبط الأسواق، بالتوازي مع انسداد الأفق السياسي وتراجع فرص التوصل إلى هدنة أو تسوية، السودان أمام مسارات معقدة، من أبرزها سيناريوان محتملان:

السيناريو الأول: الفوضى والانفجار غير المنظم

قد يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية، إلى انفجارات اجتماعية عفوية ومحلية ومتفرقة، مرتبطة بالجوع وارتفاع الأسعار وشح السلع والخدمات الأساسية.

وقد لا تستهدف هذه التحركات إسقاط السلطة بصورة مباشرة، بقدر ما تعكس صراع المواطنين من أجل البقاء، بما قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى الاجتماعية والأمنية ويجعل احتواء تداعياتها أكثر صعوبة.

السيناريو الثاني: «جمود الإنهاك»

يتمثل المسار الآخر في استمرار تآكل القدرة الشرائية، وانكماش المواطنين حول شبكات التكافل الاجتماعي الضيقة والمساعدات الإنسانية، بالتزامن مع تعمق الانقسام السياسي واستمرار حالة الجمود.

وفي هذا السيناريو، قد يستمر المجتمع في التكيف مع الأزمة بدل الانفجار الشامل، إلى حين حدوث تطورات سياسية أو تفاهمات إقليمية ودولية تقود إلى وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام معالجة اقتصادية وإنسانية أوسع.

وبين الانفجار غير المنظم وجمود الإنهاك، يبقى العامل الحاسم مرتبطًا بقدرة الأطراف السودانية على وقف الحرب، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفتح مسار سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.