رسالة اعتذار من معلم إلى زوجته.. حين أخذتكِ من الجنة إلى جحيم الحياة

محمد سراج محمد

لم أكن، يوم وقفت أمام أبيكِ وأمكِ، أظن أنني أرتكب جريمة عاطفية بهذا الحجم. كنتُ أرتدي ثوب الرجل الواثق، وأحمل في صدري أحلامًا أكبر من جيبي، وأمد يدي إليكِ بكامل قواي الإنسانية، طالبًا أن تكوني شريكة عمري. لم أكن أدري أنني لا آخذكِ إلى بيت الزوجية، بل إلى نسخة متواضعة من الجحيم، جحيم لا تحرسه الشياطين، وإنما تحرسه فواتير الكهرباء، وغلاء الأسعار، ونهاية الشهر التي تأتي دائمًا قبل الراتب!
سامحيني يا زوجتي؛ فقد أخرجتكِ من بيت كان أبوكِ فيه يقرأ احتياجاتكِ من عينيكِ، وربما يلبيها قبل أن تنطقي بها، إلى بيت أصبح السؤال فيه عن أبسط الأشياء يحتاج إلى اجتماع طارئ ومراجعة للميزانية، ثم ينتهي غالبًا بعبارة: «اصبري، ربنا يفرجها».
أخرجتكِ من عالم كانت فيه أكبر مشكلاتكِ ضياع ربطة شعر أو انكسار مشبك، إلى عالم أصبحتِ فيه تحملين الهموم فوق رأسكِ، وتوزعين ما تبقى من صبركِ على أطفال لا يعرفون أن أمهم تحصي اللقمة قبل أن تضعها في أفواههم، وتؤجل احتياجاتها كي لا يشعروا بالنقص، وتبتسم لهم بينما قلبها يطلب النجدة.
أخرجتكِ من حياة كنتِ فيها سيدة نفسكِ، إلى عرش من المسؤوليات لا تعرفين أين أوله ولا أين آخره. صرتِ أمًّا قبل أن تكملي أحلامكِ كامرأة، ومحاسبةً قبل أن تتعلمي الحساب، ووزيرةً للاقتصاد المنزلي في دولة لا تملك اقتصادًا أصلًا!
وأنا، ذلك المعلم الذي يقف كل صباح أمام تلاميذه ليشرح لهم معنى الأمل والمستقبل، أعود إلى بيتي عاجزًا عن شرح سبب غياب أبسط مقومات الحياة الكريمة. أعلّم أبناء الآخرين أن الاجتهاد طريق النجاح، بينما أحاول إقناع أبنائي بأن الأحلام يمكن تأجيلها، وأن الحذاء القديم ما زال صالحًا لعام آخر، وأن العلاج يمكن انتظاره قليلًا!
يا لسخرية القدر! رجل يعلّم الأجيال كيف يبنون مستقبلهم، ولا يستطيع أن يبني لزوجته حاضرًا يليق بها.
أعتذر إليكِ لأنني أخذتكِ من كنف أبٍ كان يستطيع أن يقول لكِ «اطلبي ما تشائين»، إلى كنف رجل يريد أن يقولها، لكن الظروف تضع يدها على فمه. أعتذر لأنني وعدتكِ بحياة لم أكن أعلم أن الطريق إليها مليء بهذا القدر من الأشواك، ولأنني تمنيت أن أجعلكِ أسعد النساء، فإذا بي أراكِ تخوضين معركة يومية من أجل ألا ننهزم تمامًا.
شكرًا لكِ على صبركِ، وعلى تعبكِ، وعلى كل مرة تنازلتِ فيها عن شيء كان من حقكِ، وعلى كل أمنية دفنتِها دون ضجيج، وعلى كل دمعة أخفيتِها حتى لا ينكسر رجل يحاول أن يبدو قويًّا أمام أسرته.
شكرًا لأنكِ منحتِ حياة رجل معنى يتجاوز عمره، ومنحتِ اسمه امتدادًا في أطفال يحملون ملامحه، وربما يحملون يومًا أحلامه أيضًا.
أما أنا، فلا أملك اليوم سوى اعتذار بحجم عمر كامل، وقلب يعرف جيدًا أنه لم يكن يستحق كل هذا الصبر.
سامحيني لأنني أخذتكِ من بيت أبيكِ لتعيشي معي، ولم أكن أعلم أنني سأحتاج طوال العمر إلى أن أعتذر لكِ عن البيت الذي أخذتكِ إليه.
فما أقسى أن يحب الرجل امرأةً بكل ما يملك، ثم يكتشف أن كل ما يملكه لا يكفي ليمنحها الحياة التي تستحقها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.