في وطــن أنهكــته الحرب، وجرحــته الانقسـامات، تُطـلّ مراكز غسيل الكلى بولاية الخرطوم كمرآةٍ صادقة تعكس وجع الواقع، وتفضح حجم الانهيار في منظومةٍ كانت يومًا تُعنى بإنقاذ الأرواح، فإذا بها اليوم تُصارع للبقاء وسط أمواجٍ من الإهمال والفساد الإداري والمالي.
في هذه المراكز، يتساوى الألم بين المريض والطبيب، وبين الكادر الصحي والمرافق المنهك. كلٌّ يجرّ خلفه حكايةَ صبرٍ مُر، وتعبٍ لا يُحتمل. الأطباء والتقنيين ولاسسترات ولا المهندسين ولا باقي الكوادر الطبية الأخري يواجهون مصيرهم بأجورٍ متأخرة وأوضاع مأساوية، بينما يتكئ المرضى على أملٍ واهٍ في استمرارية جلساتهم العلاجية التي تُبقيهم على قيد الحياة بكرامــتهم الإنـسانيــة.
لكن خلف الستار، تختبئ الحقيقة التي يحاول البعض طمسها:
فساد في إدارة الكلى، تلاعبٌ في صرف المرتبات، تجاوزاتٌ مالية تغيب العدالة وتُكرس للظلم داخل مؤسسة كان يفترض أن تكون ملاذا للرحمة. فالتأخير في دفع مستحقات العاملين لم يعد مسألة إدارية، بل صار جريمة أخلاقيةً تفرغ المهنة من معناها الإنساني، حين يُكافأ الصمت، ويُعاقب صوت الحق.
وعندما تفسد الإدارة، تُزَيّف الحقيقة وتُستبدل المهنية بالخداع، وحين تتغلب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، تُصبح المطالبة بالحقوق تهمة سياسية، وتتحول الأصوات الصادقة إلى “مغردين خارج السرب”هكذا تسلب الحقوق، وتُمحى التضحيات، ويُختزل كل جهد إنساني في مشهد من الإقصاء والتهديد.
ومــع هذا الواقــع المظــلم، تتــفاقم الكارثة الصــحية.
فانتشار الفيروسات الطبية الخطيرة، وعلى رأسها أمراض الكبد الوبائي، صار ظاهرة تهدد حياة المرضى والعاملين معا، في ظل بيئة تعاني من مكافحة العدوي بسبب عدم اهتمام الجهات المختصة بذلك لتراعي وتشرف علي معايير الجودة والسلامة داخل مراكز غسيل الكلى.
أما أولئك الذين ينتظرون زراعة الكلى، فقصصهم أصبحت فصولًا من الألم الممتد، بين من يسافر للعلاج في الخارج وبين من ينتظر على سريرٍ لا يصل إليه الأمل.
فــفي الوقــت الذي ترصـد فيه ميزانيات لبرامج الزراعة، تظل وحدات زراعة الكلى متوقفة منذ اندلاع الحرب، لا تُمارس دورها، ولا يعرف أحدٌ إلى أين ذهبت تلك الميزانية، ولا من المسؤول عن تعطيل شريان الأمل الوحيد لآلاف المرضى.
لقد كان من الممكن إعادة تشغيل هذه الوحدات ولو جزئيا، لكن غياب الإرادة، وفساد التخطيط، وتضارب المصالح جعل من “الزراعـــة” حلما بعيد المنال، رغم وجود إدارةٍ يفترض أنها ترعى شؤون المرضى في المركز القومي لأمراض وزراعة الكلى ببورتسودان.
إنها مأساة مزدوجة: مأساة المرضى الذين يدفعون حياتهم ثمن الإهمال، ومأساة الكوادر الطبية الذين يدفعون كرامتهم وأرواحهم ثمن المطالبة بحقوقهم.
وبين هذين الطرفين، تضيع الحقيقة بين مكاتبٍ مغلقة، وتصريحاتٍ باردة، وصمت رسميٍّ مريب.
لقد آن الأوان لأن يُفتح هذا الملف بجرأةٍ ومسؤولية.
فما يجري في مراكز غسيل الكلى ليس مجرد أزمة خدمات، بل أزمة ضميرٍ وقيَم، أزمةُ إدارةٍ تخلّت عن رسالتها، ووزارةٍ تغلف العجز بالصمت.
حين تفسد الإدارة، وتُغتال المهنية، تتحول مراكز العلاج إلى مصانع للألم، وتصبح بيئة العمل جحيمًا يُنتج المرض بدل الشفاء.
إن إنقاذ مراكز غسيل الكلى لا يحتاج شعاراتٍ، بل إرادة وطنيةً تُعيد ترتيب الأولويات وتعيد الاعتبار للإنسان المريض والعامل كليهما.
فالمرض لا ينتظر قراراتٍ سياسية، ولا يحتمل عبث الإدارات، إنه نداء الحياة الذي يجب أن يُسمع قبل فوات الأوان
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.