ذهب الحرب: كيف حوّلت قيادة الجيش السوداني الثروة الوطنية إلى ميزانية صراع مفتوحة؟
تحقيق استقصائي – عين الحقيقة
لم يعد الذهب في السودان مجرد مورد اقتصادي استراتيجي، بل تحوّل إلى ركيزة مالية أساسية تُغذي آلة الحرب وتُطيل أمد الصراع الدامي في البلاد. فالسودان، ثالث أكبر منتج للذهب في القارة الأفريقية، يقف اليوم أمام مفارقة قاسية: ثروة طبيعية هائلة تُستغل خارج الموازنة العامة، وتُدار عبر شبكات عسكرية مغلقة، لتشكّل ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد صراع مؤسسي» يضمن استدامة العمليات العسكرية بعيداً عن أي رقابة حكومية أو مساءلة دولية.
يخلص هذا التحقيق إلى أن الذهب السوداني يؤدي دور «عملة دولية صلبة»، تتيح للقيادة العسكرية حرية التصرف في عائدات تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً..
الذهب… عملة صعبة لتمويل الحرب
يخلص هذا التحقيق إلى أن الذهب السوداني يؤدي دور «عملة دولية صلبة»، تتيح للقيادة العسكرية حرية التصرف في عائدات تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً. هذه الموارد، التي لا تمر عبر القنوات الرسمية، تُستخدم مباشرة في تمويل صفقات تسليح نوعية تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، بل وحتى أسلحة محظورة، يتم تأمينها عبر محاور جيوسياسية تضم روسيا وإيران وتركيا.
ويكشف هذا النمط من التمويل المباشر أن القرارين السياسي والعسكري في السودان لم يعودا منفصلين عن المورد المالي، بل أصبح الذهب هو المحرّك الرئيسي لاستمرار الحرب ورفض أي مسارات جادة نحو السلام.
فجوة الإنتاج… بيئة مثالية للتهريب
رغم تصنيف السودان ضمن كبار منتجي الذهب في أفريقيا، إلا أن القطاع يعاني فجوة ضخمة بين الإنتاج الفعلي والكميات المعلنة رسمياً. فبحسب بيانات وزارة المعادن السودانية بين عامي 2019 ويونيو 2022، بلغ إجمالي الإنتاج المعلن 156 طناً فقط، لم يأتِ سوى 58 طناً منها عبر شركات التعدين المنظم، ما يشير بوضوح إلى أن غالبية الذهب يتم تهريبها خارج القنوات الرسمية.
وتزداد جاذبية الذهب السوداني في الأسواق العالمية بفضل نقائه العالي، إذ يحتوي كل طن من الخام على نحو 100 غرام من الذهب الخالص، ما يجعله سلعة مثالية للبيع السريع والتبييض التجاري، ويمنح الشبكات العسكرية قدرة استثنائية على تحويل المورد الخام إلى سيولة نقدية دولية فورية.
تؤكد مصادر وتقارير متقاطعة أن ما يقارب 90% من ذهب السودان يخضع لسيطرة مباشرة لشبكات مرتبطة بالقيادة العسكرية..
مناجم تحت السيطرة العسكرية
تؤكد مصادر وتقارير متقاطعة أن ما يقارب 90% من ذهب السودان يخضع لسيطرة مباشرة لشبكات مرتبطة بالقيادة العسكرية، وعلى رأسها دوائر قريبة من الفريق أول عبد الفتاح البرهان. هذا الواقع لا يعكس مجرد تنافس على الموارد، بل يشير إلى استغلال مؤسسي منظم للثروة الوطنية لخدمة أجندة عسكرية خاصة. ويبرز ذلك بوضوح في التراجع الحاد في كميات الذهب التي تصل إلى البنك المركزي السوداني، في مؤشر يؤكد أن الجيش يتعامل مع الذهب كاحتياطي مالي خاص، بعيداً عن أي تدقيق داخلي أو خارجي، بهدف ضمان استقلالية مالية كاملة لتمويل صفقاته العسكرية السرية.
الأخطر من ذلك، هو استخدام مناطق عسكرية مغلقة في أنشطة التعدين والتهريب، حيث تحولت وحدات مثل الفرقة الثالثة إلى نقاط إنتاج محصّنة، تُستغل فيها البنية التحتية العسكرية – من طرق ومطارات – لتهريب الذهب مباشرة إلى خارج البلاد، في استخدام مزدوج للأصول العسكرية يكرّس الطابع المؤسسي للنشاط غير المشروع.
الحرب كغطاء… والذهب كحافز
توفر حالة الحرب والفوضى بيئة مثالية لاستمرار نهب الذهب السوداني. فالصراع يمنح غطاءً لاستخدام النفوذ العسكري للسيطرة على مناطق التعدين والحدود، متجاوزاً القنوات الرسمية، ومُحبطاً أي محاولات للرقابة أو المحاسبة.
وبهذا المعنى، يصبح الذهب حافزاً مادياً مباشراً لاستمرار الحرب. فطالما ظل هذا المورد بعيداً عن العقوبات والرقابة، فإنه يمول رفض القيادة العسكرية لأي مبادرات سلام حقيقية. العلاقة هنا سببية واضحة: عائدات ضخمة تُطيل أمد النزاع عمداً لضمان استمرار السيطرة على الثروة.
يعتمد الجيش السوداني على آليات لوجستية معقدة لتجاوز القنوات الرسمية، أبرزها نموذج «الذهب مقابل السلاح»..
تناقض رسمي… وتواطؤ مؤسسي
تثير مواقف وزارة المعادن السودانية تساؤلات جدية، إذ تعترف من جهة بأن التهريب يمثل تحدياً كبيراً، لكنها من جهة أخرى تشكك في تقارير دولية حول حجم الذهب المفقود، واصفة إياها بـ«المغلوطة». هذا التناقض، الصادر عن جهة خاضعة عملياً لسيطرة الجيش، يُفسَّر على أنه محاولة مؤسسية لتوفير غطاء سياسي وقانوني لشبكات التهريب المرتبطة بالقيادة العسكرية.
«الذهب مقابل السلاح»… ودور فاغنر
يعتمد الجيش السوداني على آليات لوجستية معقدة لتجاوز القنوات الرسمية، أبرزها نموذج «الذهب مقابل السلاح». وتشير تقارير موثوقة إلى تورط كيانات أجنبية، على رأسها مجموعة فاغنر الروسية (المعروفة حالياً بـ«الفيلق الأفريقي»)، في استخراج وتهريب الذهب مقابل توفير السلاح والتدريب. وتتحدث مصادر رسمية عن أكثر من 16 رحلة جوية روسية استخدمت في تهريب الذهب، ما يؤكد وجود شبكة نقل جوي غير قانونية تُدار بعيداً عن أعين الدولة.
مصر… بوابة التبييض الإقليمي
يمر الذهب السوداني المهرب عبر عدة دول مجاورة، من بينها كينيا وأوغندا وتشاد، غير أن مصر تبرز كقناة تبييض مركزية ذات أهمية استراتيجية. وتشير بيانات عام 2023 إلى أن نحو 50.1% من الذهب السوداني المهرب مر عبر الأراضي المصرية. وتُظهر البيانات التجارية المصرية قفزة غير مبررة في صادرات الذهب، بلغت 77.7% بعد اندلاع الحرب في السودان، متجاوزة ملياري دولار خلال شهرين فقط، في زيادة لا تتناسب مع قدرات الإنتاج المحلي، ما يعزز فرضية أن الذهب السوداني هو المصدر الحقيقي لهذه التدفقات.
من خلال إعادة صهر الذهب ومنحه شهادات منشأ جديدة، يُسحب من خانة «ذهب الصراع» ليُدمج في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة عبر مراكز تداول كبرى، وهو ما يجعل من مصر حلقة حيوية في منظومة التبييض، لا مجرد معبر عابر.
تكشف التحقيقات أن الجيش السوداني لم يكتفِ بالمقايضة قصيرة الأجل، بل عرض على روسيا عقود تعدين تمتد لـ25 عاماً مقابل الحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة..
رهن السيادة مقابل البقاء العسكري
تكشف التحقيقات أن الجيش السوداني لم يكتفِ بالمقايضة قصيرة الأجل، بل عرض على روسيا عقود تعدين تمتد لـ25 عاماً مقابل الحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة. هذه الصفقات تمثل، عملياً، رهن السيادة على الموارد الطبيعية مقابل ضمان الدعم العسكري، وتحويل الذهب إلى «ضمان جيوسياسي» لبقاء القيادة العسكرية.
الذهب… العقبة الكبرى أمام السلام
لم يعد الذهب السوداني مجرد ثروة مهدرة، بل تحوّل إلى بنية مالية غير رسمية تضمن استدامة الحرب. فالعائد السنوي البالغ 1.5 مليار دولار يمنح القيادة العسكرية القدرة على العمل خارج أي ضغوط دولية أو شروط سياسية. في هذا السياق، يصبح السلام تهديداً مباشراً لتدفق هذه الإيرادات، بينما تمثل الفوضى الضمانة الوحيدة لاستمرار السيطرة. وهكذا، يقف الذهب – لا السياسة – كالعقبة الجوهرية أمام أي حل دائم للصراع السوداني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.