الخطوط الحمراء أم الوصاية الإقليمية؟ كيف أعادت القاهرة رسم دورها في حرب السودان
تقرير: عين الحقيقة
في أعقاب زيارة قائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة، والبيان الذي أصدرته الرئاسة المصرية بعدها مباشرة، عاد الجدل بقوة حول طبيعة الدور المصري في حرب السودان، وحدود هذا التدخل، وما إذا كان قد تجاوز خانة الوساطة المعلنة إلى موقع الطرف المنخرط سياسيًا وأمنيًا في مسار الصراع.. البيان، الذي صيغ بلغة دبلوماسية حذرة في ظاهرها، حمل في جوهره ما وصفه محلل سياسي فضّل حجب اسمه بأنه “وثيقة حذرة”، لا تستهدف أطراف الحرب داخل البلاد فحسب، بل توجه رسائل مباشرة إلى الإقليم والمجتمع الدولي حول ما تقبله القاهرة وما ترفضه.
ويرى المحلل أن توقيت البيان لم يكن بريئًا، إذ جاء في لحظة تشهد فيها موازين القوى الميدانية تحولات لافتة، لا سيما في دارفور وكردفان، بما يهدد المعادلة التي ظلت القاهرة تراهن عليها منذ اندلاع الحرب.
وتابع المحلل السياسي أن مصر، التي نظرت تاريخيًا إلى السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا وأحد ركائز أمنها القومي، باتت اليوم أكثر قلقًا من سيناريو انهيار كامل لمؤسسة الجيش السوداني، أو خروجه من السيطرة لصالح قوى لا تملك معها قنوات نفوذ واضحة أو ضمانات سياسية وأمنية.
وبحسب المحلل، فإن البيان المصري حمل رسائل متعددة المستويات.. داخليًا، شكل تطمينًا مباشرًا لقيادة الجيش السوداني بأن القاهرة ما زالت تقف في صف الدولة المركزية كما تتصورها، وتعتبر بقاء الجيش موحدًا خطًا أحمر لا يمكن التراجع عنه.. إقليميًا، حمل البيان تحذيرًا مبطنًا من أي ترتيبات سياسية أو أمنية قد تُفرض على السودان من خارج دائرة النفوذ المصري التقليدي، سواء عبر مسارات تفاوض دولية أو تفاهمات إقليمية لا تكون القاهرة طرفًا فاعلًا فيها.
مراقبون للشأن السوداني يرون أن أخطر ما في البيان ليس ما قيل صراحة، بل ما تُرك بين السطور.. فالحديث المتكرر عن وحدة السودان ومنع تفكك مؤسسات الدولة و”رفض أي كيانات موازية” يعكس، في تقديرهم، خشية مصر من سيناريوهات ما بعد الحرب أكثر مما يعكس حرصًا مبدئيًا على إنهاء القتال.. ويذهب بعضهم إلى أن القاهرة تخشى نشوء واقع سوداني جديد تُعاد فيه صياغة السلطة خارج المنظومة العسكرية التقليدية، أو عبر قوى مدنية وثورية لا تنظر إلى مصر باعتبارها حليفًا طبيعيًا أو مرجعية سياسية.
ويرى محلل سياسي آخر، طلب بدوره عدم ذكر اسمه، أن التدخل المصري لم يعد محصورًا في الدعم السياسي أو الدبلوماسي، بل أصبح جزءًا من معادلة الصراع نفسها، سواء عبر التأثير المباشر في قرارات قيادة الجيش السوداني، أو من خلال إدارة شبكة علاقات إقليمية تهدف إلى ترجيح كفة بعينها.
وأضاف أن القاهرة تتعامل مع الحرب من زاوية أمنها القومي الضيقة، لا من زاوية مصالح الشعب السوداني أو متطلبات الانتقال المدني، وهو ما يفسر تجاهلها شبه الكامل للقوى المدنية ولجان المقاومة، مقابل تركيزها على الفاعلين العسكريين وحدهم.
هذا النهج، وفق مراقبين، يعيد إنتاج أخطاء تاريخية وقعت فيها القاهرة مرارًا في تعاملها مع السودان، حين راهنت على أنظمة أو مؤسسات بعينها، متجاهلة التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة داخل المجتمع السوداني.
ويشيرون إلى أن الحديث المصري حول الخطوط الحمراء في الببان قد يُقرأ بوصفه محاولة وصاية سياسية، أو سعيًا لفرض سقف على خيارات السودانيين في لحظة تاريخية فارقة، بدل دعم حقهم في صياغة مستقبلهم بحرية.
وتكتسب هذه القراءة أبعادًا إضافية إذا ما وُضع بيان القاهرة في سياق التحركات الإقليمية المتزامنة للبرهان، وعلى رأسها زيارته إلى المملكة العربية السعودية.
فبحسب محلل سياسي، تعكس جولة البرهان بين القاهرة والرياض حالة ارتباك سياسي أكثر مما تعكس استراتيجية متماسكة، في ظل محاولته إعادة التموضع إقليميًا وسط تضييق الخيارات وتراجع أوراقه الداخلية.
واستدرك المحلل أن زيارة السعودية تفتح الباب أمام فرضيتين متداخلتين: الأولى وجود تقاطعات فعلية بين الموقفين المصري والسعودي بشأن حسم الملف السوداني، ولو بوسائل وأدوات مختلفة، والثانية أن البرهان لم يخرج من الرياض بما كان يأمله، ما دفعه إلى الاحتماء بالقاهرة ومحاولة توظيف خطاب “الخطوط الحمراء” كورقة ضغط سياسية.
ويرى مراقبون أن السعودية، بحكم ثقلها الإقليمي وعلاقاتها الدولية، تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية أكثر براغماتية، تركز على الاستقرار ووقف الحرب، حتى وإن تطلّب ذلك إعادة صياغة المشهد السياسي والعسكري بشكل جذري.
ويعتقد هؤلاء أن الرسائل التي حملها البرهان من الرياض لم تكن منسجمة تمامًا مع رؤيته أو مع مصالح الدائرة العسكرية الضيقة المحيطة به، خصوصًا إذا ما تعلّقت بإشراك قوى مدنية حقيقية أو القبول بتسوية تقلّص من نفوذ المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة.
ووفقًا لمحللين، فإن البرهان، العالق بين ضغوط الداخل وتحولات الإقليم، يحاول اللعب على التناقضات بين العواصم المؤثرة، أو على الأقل تضخيمها، لتوسيع هامش المناورة.. وفي هذا السياق، التقطت القاهرة اللحظة سريعًا، وسارعت إلى إصدار بيانها الحازم لتثبيت موقعها كلاعب لا يمكن تجاوزه، ولتذكير البرهان بأن مظلة الدعم المصري مشروطة بالالتزام بسقف سياسي وأمني محدد.
هذا التداخل بين المسارين المصري والسعودي، وفق مراقبين، لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى، بل قد يخفي صراعًا ناعمًا حول كيفية إدارة نهاية الحرب وشكل السلطة القادمة في السودان. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن البرهان يحاول توظيف هذا التباين لصالح بقائه، حتى لو كان الثمن مزيدًا من التعقيد للمشهد وإطالة أمد الحرب.
ويحذّر محللون من أن استمرار هذا النهج قد يضع القاهرة في مواجهة مع قطاعات واسعة من السودانيين، الذين باتوا ينظرون بعين الريبة إلى كل تدخل خارجي يُبقي الحرب مشتعلة أو يؤخر الوصول إلى سلام عادل. كما أن ربط مستقبل السودان بخيارات عسكرية ضيقة قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى نتائج عكسية لا على السودان وحده، بل على الأمن الإقليمي ذاته. وفي المحصلة، يكشف البيان المصري عن تحوّل واضح في خطاب القاهرة، من دور المراقب أو الوسيط إلى دور اللاعب الذي يرسم خطوطًا حمراء ويحاول تثبيت معادلات بعينها، وهو تحوّل يعكس حجم القلق المصري من مآلات الحرب، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول حق السودانيين في تقرير مصيرهم بعيدًا عن حسابات الجغرافيا السياسية وصراعات النفوذ الإقليمية.
في النهاية، لا يمكن قراءة التدخل المصري في حرب السودان بمعزل عن هواجس النفوذ والأمن الإقليمي، ولا عن سعي القاهرة لفرض سقف سياسي يخدم مصالحها أكثر مما يخدم تطلعات السودانيين. غير أن تحويل الخطوط الحمراء إلى أداة لإدارة الصراع، بدل دعم مسار سلام شامل وجذري، يهدد بإطالة أمد الحرب وتعميق أزمتها.. فالسودان، الذي يدفع شعبه ثمن هذه الحسابات الإقليمية الباردة، لا يحتاج إلى مزيد من الوصاية، بل إلى إرادة دولية وإقليمية تحترم حقه في تقرير مصيره وبناء دولته خارج معادلات القوة والمساومات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.