في تلك الليلة… حين انتصر الفن على الحرب

كمبالا: عين الحقيقة

لم تكن العاصمة الأوغندية كمبالا في تلك الليلة مدينة عادية؛ كانت مساحة مفتوحة للذاكرة، ومسرحًا لوطن مزقته الحرب، وقاعة صغيرة احتملت ما عجزت عنه السياسة والحرب والخطابات الصلبة.

قبل أن تبدأ الأصوات، كان الصمت نفسه يحكي قصة.. وجوه متباينة، مواقف متعارضة، أناس فرّقتهم الحرب وجمعتهم المصادفة الجميلة. جلسوا متجاورين بلا حذر، كأنهم اتفقوا – من غير اتفاق – أن يتركوا خلافاتهم خارج القاعة.

عندما صعدت نانسي عجاج إلى المسرح، لم تكن تغني فقط… فكانت تستدعي سودانًا قديمًا، يعرف كيف يختلف دون أن ينكسر، وكيف يتحاور دون أن يتقاتل.. صوتها كان جسرًا بين القلوب، لا يسأل عن الانتماء ولا يفتش في النوايا.

ثم جاء الشاعر أزهري محمد علي، بالكلمة التي لا تصرخ، لكنها تصيب.

قال الشعر كما لو كان يربّت على جراحٍ مفتوحة، يذكّر الناس بأن اللغة يمكن أن تكون ملجأً، لا سكينًا.. في لحظات إنصاته، بدت القاعة كأنها نفسٌ واحد.

وحين اعتلى أبوبكر سيد أحمد المسرح، انكسرت المسافة بين المنصة والجمهور.. الأغنية لم تكن أداءً، بل مشاركة… غنى الناس معه، أو ربما غنّى هو بما فيهم، حتى تلاشت الفواصل بين المؤدي والمستمع.

أما محمد تروس، فقد فعل ما لا تفعله الخطب السياسية.. دراما ذكية، ساخرة، بلا تجريح ولا تخوين.. كشفت عبث الحرب، وسخف الكراهية، وهشاشة كل ما يفرّق الناس حين يغيب العقل.

في تلك الليلة، جلس من يبرر الحرب إلى جوار من يرفضها، من دون شجار، من دون توتر، من دون حاجة لرفع الصوت.. لأن المكان كان خاليًا من المحرّض الأكبر على الانقسام، وخاليًا من منطق التخوين، ومن هندسة الكراهية.

ما حدث في كمبالا لم يكن صدفة.. كان دليلًا حيًّا على أن السودانيين قادرون على الالتقاء متى ما أُزيحت عن طريقهم قوى الاستقطاب المصطنع.

ودليلًا على أن ثورة ديسمبر، في جوهرها، لم تكن حدثًا سياسيًا فقط، بل لحظة وعي جمعي، تتكرر كلما أُتيحت لها المساحة.

انتهت الليلة، لكن أثرها لم ينتهِ.. خرج الناس وهم أكثر خفة، أقل عداءً، وأكثر يقينًا بأن الفن لا يغيّر الواقع مباشرة،
لكنه يذكّرنا- دائمًا- بأن وطنًا بلا كراهية ممكن.

في كمبالا، تلك الليلة،
لم ينتصر صوت على آخر…
بل انتصر السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.