بميثاق “المشير محمد حمدان دقلو” والدم: بزوغ فجر الإخاء بين البني هلبة والسلامات حين تخرس المدافع لتنطق حكمة الأجداد

أ/ سليم محمد عبد الله

ترنيمة الخلاص: شمسٌ تزيح ليل الشتات

في لُجَّةِ الأحداثِ العاصفة، ومن قلبِ الرمادِ الذي حاولت الفتنةُ أن تزرعه في أرضِ السواد، انبثق اليوم شعاعٌ من نورٍ بدَّد ديجورَ الخلاف، وأعلن للعالم أجمع أنَّ جنوب دارفور ليست ساحةً للصراع، بل هي
محرابٌ للسلام.
إنَّ الاتفاق النهائي بين قبيلتي البني هلبة والسلامات، والذي تشرَّف برعايةٍ كريمةٍ وسندٍ غير محدود من رئيس المجلس الرئاسي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، يُمثِّل العبور الكبير من ضيقِ النزاع إلى سعةِ التسامح، ومن عتمةِ الثأر إلى ضياءِ المصافحة.

ذاكرة الوفاء: عشرون عاماً من العشق والامتزاج

إذا رجعنا بالذاكرة إلى الوراء، نجد أنَّ العلاقة بين البني هلبة والسلامات لم تكن مجرد تجاورٍ في الأرض، بل كانت وحدةً في الروح.
فقبل عقدين من الزمان، كانت عد الفرسان وكبم ومركندي لوحاتٍ سريالية تُجسِّد أرقى أنواع الانصهار البشري. هناك، حيث تذوب الأسماء القبلية في بوتقة الجيرة، وحيث كانت الدماء تجري في عروقٍ مشتركة عبر المصاهرة، التي جعلت من القبيلتين جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

لقد كان الرجل من السلامات يرى في دار البني هلبة مأمنه ومستقره، وكان الهلباوي يجد في فريج السلامي سنده وعضده.
هذا العمق الضارب في جذور التاريخ هو الذي استنهضه اليوم القائد محمد حمدان دقلو، ليعيد رتق ما انفتق، وليبرهن أنَّ الأصل هو السلام، وأنَّ الحرب ما هي إلا سحابة صيفٍ عابرة.

رعاية “دقلو”: يمينٌ تحصد السلام وقلبٌ يحمل الوطن

لم يكن دور الفريق أول محمد حمدان دقلو في هذا الصلح دوراً عابراً، بل كان هو المايسترو الذي ضبط إيقاع الوحدة.
بفروسيةٍ قلَّ نظيرها، وبإدراكٍ عميق لخطورة التشرذم، وضع دقلو ثقله السياسي والأخلاقي والمادي ليجعل من هذا الاتفاق حقيقةً ماثلة.

إنَّ قيامه بدفع التعويضات لم يكن مجرد تسويةٍ مالية، بل كان غسلاً للقلوب وإزالةً لكل الأدران التي علقت بالنفوس. لقد قدَّم القائد درساً في فقه القيادة، مؤكداً أنَّ القائد الحق هو من يحقن الدماء ويبني الجسور.
وبجانبه، كانت سواعد الرجال في الإدارة المدنية، بقيادة الأستاذ يوسف إدريس، واللواء أبشر جبريل بلايل، والناظر الحكيم محمد يعقوب، تعمل كخلية نحلٍ لترجمة هذه الرؤية إلى واقعٍ معاش.

النسيج الاجتماعي: هندسة الروح وتفويت فرصة المتربصين

إنَّ هذا الصلح هو الدرع الحصين الذي تحطَّمت عليه نصال الفتنة. لقد حاول المتربصون، ممن يقتاتون على جراح الشعوب، أن يُشعلوا ناراً كلما أوقدوها أطفأها الله بحكمة الرجال.
إنَّ وعي القيادات الأهلية في القبيلتين اليوم يُمثِّل صفعةً مدوِّية في وجه كل من أراد لدارفور أن تغرق في لُجَّة التناحر.

هذا الاتفاق ليس مجرد حبرٍ على ورق، بل هو ميثاقُ دمٍ يفتح الطرق والمراحيل، ويُعيد نبض الحياة إلى أسواق كبم ومركندي وعد الفرسان.
إنه إيذانٌ بعودة المنافع المتبادلة، حيث يلتقي الراعي والمزارع في ظلال الأمن، وحيث يغدو الطريق آمناً من نيالا إلى أطراف الولاية، لا يخشى فيه العابرُ إلا الله والذئبَ على غنمه.

خارطة الطريق نحو المستقبل: الوفاء بالعهود

لضمان أن يظل هذا الصلح غرساً مثمراً، وجب على الطرفين إنزال بنوده إلى بطون الفرقان وبيوت القرى.
إنَّ المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل فردٍ من السلامات والبني هلبة، ليكونوا حُرّاساً لهذا السلام:

فتح المسارات: ليس فقط كطرقٍ للمرور، بل كشرايين للمودة.

الخطاب الإعلامي: تبديل لغة الكراهية بلغة المحبة والتقبُّل.

التكافل الاجتماعي: العودة إلى النفير المشترك في الزراعة والبناء، لتعزيز الروابط التي لا تقبل الانكسار.

شكرٌ لمن حملوا مشاعل النور

ختاماً، نرفع القبعات إجلالاً للفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي رعى هذا الغرس حتى استوى على سوقه، والتحية لكل من مشى في دروب الصلح من لجنة الوساطة والقيادات العسكرية والمدنية.

يا أهلنا في البني هلبة والسلامات، لقد كتبتم اليوم أجمل قصيدةٍ في ديوان العرب، عنوانها الصفح، ومضمونها الإخاء.
فليحفظ الله هذه الوحدة، وليدم هذا الوئام، ولتكن جنوب دارفور دائماً وأبداً أرضاً للسلام والوئام.

طوينا صفحة الماضي، وكتبنا بمِداد الوفاء:
“نحن إخوة… والوطن يجمعنا”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.