في مشهدٍ استعاد شيئًا من دفء الخرطوم القديمة، وسيرتها التي كانت عامرة بالأسماء الكبيرة والأقلام الرفيعة، سجّل نائب رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، السيد مالك عقار، زيارة خاصة إلى الصحفية القديرة الأستاذة آمال عباس؛ زيارة حملت في تفاصيلها ما هو أكبر من المجاملة الرسمية، وأعمق من بروتوكولٍ عابر.. كانت زيارةَ تقديرٍ لامرأةٍ وهبت سنوات عمرها للصحافة، وكتبت بإيمانٍ راسخ أن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا للسلام، وضميرًا للوطن، وملاذًا للناس في أوقات الاضطراب.
في الذاكرة الصحفية السودانية، لا تُذكر الصحافة في أوجها دون أن تُذكر معها «ماما آمال» كما يحلو لجيليْن من الصحفيين أن ينادوها… هذا اللقب، الذي لم تصنعه لنفسها، كان ثمرة محبة ومهابة واحترام. فقد كانت آمال عباس مدرسة حقيقية؛ تدير غرفة الأخبار بحزم الأم الحنون، وتُعلم الأجيال الجديدة سرّ الصنعة: احترام الحقيقة، وصون المهنة، والكتابة من أجل الناس لا من أجل المجد الشخصي.
تاريخ آمال عباس ليس مجرد أرشيف مقالات أو مسيرة وظائف، بل هو أثرٌ ممتدّ في وجدان الصحافة السودانية… فقد شكّلت إحدى أبرز الأصوات التي قارعت الظلم بالكلمة، ودافعت عن كرامة الناس، وتقدّمت الصفوف حين كان الثمن كبيرًا.. وكانت من أوائل النساء اللواتي اقتحمن الحقل الإعلامي في وقتٍ كان حضور المرأة فيه محدودًا، ومع ذلك استطاعت أن تؤسس لنفسها موقعًا متقدمًا ومكانة أصبحت مثالًا يُحتذى.
جاءت زيارة مالك عقار لتعيد إلى الواجهة قيمة الاعتراف بالروّاد… أولئك الذين صنعوا تاريخ المهنة بعرقهم وصبرهم، وتحمّلوا تبعات التفاصيل اليومية القاسية للعمل الصحفي… وفي زمن الحرب الممتد منذ 15أبريل 2023، حيث تعطّلت المؤسسات، وتراجع المشهد الإعلامي، وغابت كثير من الطاقات المبدعة، بدت الزيارة فعلًا رمزيًا يعيد الاعتبار لمَن قدّموا للبلاد ما هو أثمن من المناصب: قدّموا ضميرًا.
وفي ظل المشهد الراهن، يصبح تكريم الشخصيات التي صنعت سجلاً وطنيًا ومهنيًا مشرّفًا واجبًا لا رفاهية. فالحرب التي شلّت حركة البلاد وطوّقت إمكانات الصحفيين والمبدعين لم تستطع أن تطفئ الضوء الذي أشعلته أسماء مثل آمال عباس.. فقد ظلّت كتاباتها لعقود تشبه نبضًا يوميًا يربط الناس بالوطن، ويذكّرهم بأن الديمقراطية ليست حلماً بعيدًا، وأن السلام الاجتماعي ممكن حين تكون الكلمة حرّة ومسؤولة، وحين يكون الصحفي منحازًا للإنسان لا للسلطة.
إن آمال عباس تستحق أكثر من زيارة؛ تستحق مشروع تكريم وطني يليق بها كواحدة من أبرز رموز الصحافة السودانية… فهي لم تكن مجرد محرّرة أو كاتبة عمود، بل كانت صوتًا منحازًا لقيم الحرية، وقائدة جمعت حولها أجيالًا من الصحفيين الشبان، وفتحت لهم الأبواب، ودفعتهم إلى حمل مشعل المهنة بإخلاص.
والرسالة الأعمق في الزيارة هي التذكير بأن الدول تُبنى على ذاكرة من يكتبون تاريخها اليومي، وأن الصحافة ليست مهنة عابرة بل عقدٌ أخلاقي بين الحقيقة والناس.. وآمال عباس كانت من الشخصيات التي احترمت هذا العقد، ودفعت ثمن احترامه من جهدها وصحتها ووقتها، لكنها ربحت مكانًا دائمًا في ذاكرة الوطن.
ختامًا، فإن تكريم آمال عباس هو تكريم لجيلٍ كامل حمل الصحافة السودانية على كتفيه، وأعطاها هيبتها ومكانتها. وإن زيارة مالك عقار جاءت لتقول إن السودان- رغم الجراح والحرب والشتات- لا يزال يعرف قدر صُنّاع الكلمة، ولا يزال يحفظ للروّاد موقعهم الذي لا يُنسى.
إن آمال عباس ليست مجرد اسم، بل ذاكرة وطن وواحدة من أنبل تجليات الصحافة السودانية التي تستحق الاحتفاء الدائم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.