حين يصبح الموت وجهة نظر: مأساة التطبيع مع الحرب ووهم الأمان الزائف

عمود عين الحقيقة

في خضم الكوارث الكبرى لا تسقط الدول بانهيار جيوشها أو اقتصادها فحسب، بل تسقط حقيقةً حين تفقد مجتمعاتها البوصلة الأخلاقية، وحين يتحول الموت من فاجعة تهز الوجدان إلى مجرد “رقم” يمر عليه الناس مرور الكرام.

نعيش اليوم في السودان مفارقة مؤلمة ومخيفة: حالة من الانفصام المجتمعي الحاد. فبينما تحترق أجزاء واسعة من الوطن، وتُباد أسرٌ بأكملها، نجد في المقابل حالة من “الإنكار” أو “التعايش البارد” في المناطق التي تنعم بأمان نسبي، سواء في المناطق الواقعة تحت السيطرة. هناك بدأ يتشكل وعي زائف بأن الحرب قد انتهت وأن النصر قادم، لمجرد أن دوي المدافع ابتعد قليلاً عن النوافذ.

جغرافيا الأنانية: “أنا حي… إذن الحرب بخير”

لعل أقسى ما كشفته هذه الحرب هو الطبيعة البشرية الموغلة في الأنانية. يميل الإنسان، مدفوعاً بغريزة البقاء، إلى الاعتقاد بأن العالم بخير ما دام هو بخير. الذين ينظّرون لاستمرار الحرب ويرفعون شعارات “الحسم ولو بعد مائة عام” غالباً ما يتحدثون من مقاعد المتفرجين.

إنهم لا يشمون رائحة الجثث، ولا يبحثون عن جرعة دواء لأطفالهم في العراء، ولا يعرفون معنى أن يُنتهك شرف الحرائر.

بالنسبة لهم، الحرب هي “نشرة أخبار” يتابعونها مع قهوة الصباح، وليست واقعاً يطحن العظام. هذا الشعور بالأمان الزائف يخلق قسوة غير مبررة، تجعلهم مستعدين للتضحية بالآخرين – الذين هم وقود المحرقة – في سبيل نصر معنوي أو إثبات صحة موقف سياسي.

تجريد الضحايا من إنسانيتهم: الموت كأرقام

المأساة الكبرى ليست في الموت ذاته، بل في تحويل البشر إلى “إحصائيات”.

عندما يقول أحدهم ببرود: “فلنستمر في الحرب”، فهو يسقط من حساباته أن استمرار الحرب يعني استمرار عدّاد الموت.

لقد نجح طول أمد الصراع في تخدير الأعصاب، فصار خبر مقتل العشرات يمر كشريط عاجل لا يستدعي حتى الترحم.

ويُستخدم الضحايا كحجج في النقاشات السياسية؛ تُرفع صور القتلى لا حزناً عليهم بل للقول للطرف الآخر: “انظروا ماذا فعلتم”.

لقد تحولت الأرواح إلى بضاعة سياسية، والدم المسفوك إلى حبر يُكتب به بيانات التبرير لاستمرار الدمار.

العمى عن “إفرازات الحرب” الخفية

يظن دعاة الحرب أن الكلفة الوحيدة هي الروح التي تخرج، متجاهلين أن الموت هو أرحم وجوه الحرب أحياناً.

إنهم لا يرون أو لا يريدون أن يروا الجحيم الذي يعيشه الأحياء:

ضياع المستقبل: جيل كامل من الأطفال خارج المدارس، ينشأ على ثقافة العنف والكراهية.

الانهيار الاجتماعي: التفسخ الذي ضرب النسيج السوداني، حيث تحوّل الجار إلى عدو، والمكوّن الاجتماعي إلى هدف مشروع.

الإذلال اليومي: الإنسان الذي فقد بيته وعمله وكرامته، ووقف في طوابير الإغاثة أو النزوح، هو ميت يمشي على قدمين.

هذه “الإفرازات” لا تنتهي بطلقة رصاص، بل ستظل تنخر في جسد الوطن لعقود طويلة. ومن يدعو لاستمرار الحرب اليوم، هو في الحقيقة يدعو لتدمير مستقبل من لم يولدوا بعد.

وهم النصر فوق الركام

العقلية التي تتقبل استمرار الحرب لمائة عام هي عقلية عدمية لا تدرك مفهوم الدولة.

أي دولة ستحكمها بعد مائة عام من القتال؟ وأي شعب سيبقى ليهتف باسمك؟

الذين يروّجون لهذه الأفكار من مناطقهم الآمنة يمارسون نوعاً من “الترف النضالي”.

فمن السهل جداً أن تكون شجاعاً بدم غيرك، وصامداً بصبر الآخرين، ومضحياً بأرواح لا تملكها.

إن الحرب الحقيقية اليوم ليست بين الجيوش فقط، بل هي حرب داخل ضمير كل سوداني.

والانتصار الحقيقي يبدأ حين ندرك أن ألم النازح في أقصى الغرب هو ألمنا، وأن رصاصة في جسد مواطن في الخرطوم هي نزيف في قلب مواطن في الشمال أو الشرق أو الغرب.

علينا أن نتوقف عن التعامل مع الحرب كلعبة شطرنج: نحن فيها اللاعبون والآخرون هم البيادق.

الحرب كارثة، واستمرارها ليس خياراً “استراتيجياً” بل هو انتحار جماعي، يصفق له من يقف – مؤقتاً – خارج دائرة النار، ولا يدرك أن الحريق إذا استمر… سيلتهم الجميع بلا استثناء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.