خلفت الحرب التي دارت رحاها في عاصمة ولاية شمال دارفور، مدينة الفاشر، واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، إذ شردت آلاف الأسر بين نازحين في الداخل ولاجئين في الخارج، بعد أن فقدوا الأمن والاستقرار ومقومات الحياة الأساسية.
ومع بزوغ فجر التعافي عقب تحرير مدينة الفاشر في السادس والعشرين من أكتوبر 2025م، بدأت ملامح الحياة تدب من جديد في “فاشر السلطان”، عبر جهود متواصلة لإزالة مخلفات الحرب، وتهيئة البيئة بالمؤسسات الخدمية، إلى جانب تعاظم دور المبادرات الشبابية والمجتمعية، مسنودة بالجهود الرسمية لحكومة التأسيس والمنظمات العاملة. تلك الخطوات مهدت الطريق لعودة السكان إلى ديارهم، بعد غياب قسري دام أكثر من عامين.
وفي هذا السياق، بادرت مدينة نيالا بإطلاق مشروع العودة الطوعية لسكان مدينة الفاشر، استجابة لرغبة الأسر التي نزحت إلى نيالا خلال سنوات الحرب.
حيث أعلنت اللجان المدنية بمحليتي نيالا ونيالا شمال تدشين الدفعة الأولى من المبادرة، مستهدفة ترحيل نحو (53) أسرة، تتكفل المبادرة بكامل نفقات عودتهم.
ممثل الإدارة الأهلية، عبّر عن تمنياته بعودة شاملة لكل أهل الفاشر الذين اكتووا بنيران الحرب، موجهاً رسالة للنازحين دعاهم فيها للعودة إلى مدينتهم وتعمير ديارهم. وأكد أن استضافة نيالا لأهل الفاشر تجسد أصالة المجتمع السوداني وروح التكافل المتجذرة فيه، مثمناً الدور الكبير الذي قامت به اللجان المدنية في نيالا ونيالا شمال تجاه الوافدين من مختلف ولايات السودان، ومتمنياً أن تتوقف الحرب ويلتئم شمل البلاد من جديد.
من جانبه، قال منسق اللجان المدنية بمحلية نيالا شمال، آدم عثمان، إن تدشين عودة الدفعة الأولى التي تضم (53) أسرة، بما يعادل نحو (265) فرداً، يمثل بداية لمراحل لاحقة، مؤكداً جاهزية اللجان المدنية لتبني تكاليف ترحيل الدفعتين الثانية والثالثة بجهود شعبية وذاتية.
وناشد عثمان جميع سكان الفاشر الذين نزحوا إلى الداخل أو الخارج بالعودة إلى مدينتهم حتى تستعيد عافيتها وتعود كما كانت قبل الحرب.
وفي ذات الإطار، أوضح منسق اللجان المدنية القاعدية بمحلية نيالا، جبريل همه، أن مبادرة عودة سكان الفاشر تأتي امتداداً لمبادرات سابقة نفذتها اللجان المدنية بالولاية، شملت توزيع الإغاثة والدعم الإنساني.
وأشار إلى أن اللجان المدنية ببلدية نيالا قامت بتوزيع أكثر من (67) ألف سلة غذائية، إلى جانب الدعم الاجتماعي وتنفيذ حملات نظافة للمؤسسات. وأضاف أن مواطني جنوب دارفور لبّوا نداء استغاثة أهل الفاشر عقب تحرير المدينة، وقدموا ما تيسر من غذاء وكساء، وصولاً إلى إطلاق مبادرة العودة الطوعية التي خُطط لها على ثلاث دفعات.
وكشف جبريل عن تجهيز معمل تشخيصي متكامل دعماً للقطاع الصحي بالفاشر، مؤكداً رفضهم للجهوية والعنصرية، وداعياً إلى العدالة والكرامة لكل السودانيين.
وعلى وجوه العائدين، ارتسمت مشاعر مختلطة بين فرحة الرجوع وحزن الوداع. حيث عبّر عدد من سكان الفاشر عن بالغ تقديرهم لأهالي نيالا على حسن الاستضافة خلال محنة الحرب.
وقال حسن عبدالله الحاج، ممثل الأسر العائدة، إن المبادرة تركت أثراً عميقاً في نفوسهم، مؤكدة أصالة الإنسان السوداني، معرباً عن أمله في عودة جميع سكان الفاشر للمساهمة في إعمار مدينتهم.
فيما أكدت المواطنة عائشة أحمد أن “البيت يعمره صاحبه”، مناشدة بقية أهلهم في المحليات خارج الفاشر بالعودة إليها.
بدوره، عبّر المدير التنفيذي لبلدية نيالا بالإنابة، محمد آدم بريمة، خلال كلمته في تدشين المبادرة، عن بالغ حزنهم وهم يودعون أهل الفاشر العائدين إلى ديارهم بعد أن أصبحت المدينة آمنة ومستقرة.
وقال بريمه إن الإنسان مهما تعاظمت عليه المحن، لا يوجد أغلى من مكان الميلاد والنشأة، محملاً العائدين رسالة سلام ومحبة إلى بقية أهل الفاشر، ومؤكداً أن بلدية نيالا ستظل حاضرة لمد يد الإنسانية. ودعا بريمة العائدين للمساهمة في إعمار الفاشر التي طالها الدمار، مشيراً إلى أن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ومتمنياً أن يعم الأمن والسلام ربوع البلاد.
هكذا، تمضي مبادرة العودة الطوعية من نيالا إلى الفاشر كجسر إنساني يعبر به السودانيون من ويلات الحرب إلى آفاق الأمل، في مشهد يعكس قيم التكافل والتعايش، ويؤكد أن إرادة الحياة أقوى من كل الخراب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.