الجيش يرفض السلام ويختار الاستنزاف
ملايين شُرّدوا داخل السودان وخارجه
وأزمة لاجئين صُنعت بقرار سياسي لا بساحة معركة.
دخلت الحرب في السودان يومها الألف، ولم تدخل نهايتها بعد. ألف يومٍ من الدم، والخراب، والتشريد، وانهيار الدولة، دون أفق سياسي واضح، ودون إرادة حقيقية لوقف نزيف وطنٍ يُستنزف ببطء. لم تعد هذه الحرب مجرد صراع مسلح بين طرفين، بل تحولت إلى مأساة إنسانية كبرى، وأكبر أزمة نزوح ولاجئين في العالم، صنعتها قرارات سياسية خاطئة، وخيارات عسكرية عنيدة، لا ساحات القتال وحدها.
حرب بلا أفق… واستنزاف بلا معنى
منذ اندلاع القتال، كان من الممكن إيقاف الحرب في مراحلها الأولى، لو توفرت الإرادة السياسية، وقدمت مصلحة الوطن على حساب حسابات السلطة والنفوذ. غير أن قيادة الجيش اختارت طريقًا آخر: رفض متكرر لكل مبادرات السلام، وتعطيل مسارات التفاوض، والتشبث بخيار الاستنزاف، مهما كانت كلفته على المدنيين والدولة.
تحولت الحرب من مواجهة عسكرية محدودة إلى حرب مدن، وحصار، وتجويع، وقصف عشوائي، وانهيار كامل للخدمات الأساسية. ومع كل يوم يمر، يتأكد أن ما يجري ليس دفاعًا عن الدولة، بل تآكلًا منظمًا لها، وأن شعار “الحسم العسكري” لم يكن سوى غطاء لاستمرار الحرب لا لإنهائها.
النزوح الأكبر في العالم
خلال ألف يوم فقط، شُرّد ملايين السودانيين داخل بلادهم، واضطر الملايين لعبور الحدود بحثًا عن الأمان. عائلات بأكملها خرجت من بيوتها دون متاع، أطفال بلا مدارس، نساء بلا حماية، وشيوخ بلا دواء. مدنٌ أُفرغت من سكانها، وأقاليم كاملة تحولت إلى مناطق طاردة للحياة.
لم يشهد العالم في العصر الحديث نزوحًا بهذا الحجم وفي هذه السرعة، ومع ذلك ظل السودان في هامش الاهتمام الدولي، وكأن معاناة شعبه لا تستحق العناوين الكبرى. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الأزمة لم تكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لخيارات سياسية وعسكرية فاشلة.
لاجئون بقرار سياسي
أزمة اللاجئين السودانيين ليست نتاج هزيمة عسكرية أو كارثة طبيعية، بل صُنعت بقرار سياسي. قرار الاستمرار في الحرب رغم وضوح عجزها عن تحقيق نصر، وقرار إغلاق أبواب السلام، وقرار تجاهل صوت المدنيين الذين يدفعون الثمن وحدهم.
لو اختارت القيادة العسكرية طريق التفاوض الجاد، ولو قُدمت التنازلات اللازمة لإنقاذ الوطن، لما رأينا هذا الطابور الطويل من اللاجئين على حدود تشاد، ومصر، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وليبيا. إنهم لا يفرون من معركة، بل من دولة تخلت عن واجبها الأول: حماية مواطنيها.
دولة تتآكل من الداخل
ألف يوم من الحرب لم تدمّر فقط البيوت والبنية التحتية، بل ضربت النسيج الاجتماعي، وعمّقت الانقسامات، وأطلقت العنان لاقتصاد الحرب، والسلاح، والنهب. تراجع التعليم، انهارت الصحة، تفككت الإدارة، وغابت الدولة لصالح واقع فوضوي تحكمه القوة لا القانون.
وكلما طال أمد الحرب، تقلصت فرص بناء دولة مستقرة بعد انتهائها، لأن الحروب الطويلة لا تخلّف منتصرين، بل مجتمعات مكسورة، واقتصادًا منهارًا، وأجيالًا محمّلة بالصدمات.
السلام ليس هزيمة
أكبر كذبة رُوّجت خلال هذه الحرب هي أن السلام هزيمة. الحقيقة أن الاستمرار في الحرب هو الهزيمة بعينها. السلام ليس تنازلًا عن السيادة، بل استعادة لها. وليس ضعفًا، بل شجاعة سياسية تنقذ ما تبقى من وطنٍ يتآكل كل يوم.
بعد ألف يوم، لم يعد السؤال: من سينتصر؟
بل: كم سيبقى من السودان إذا استمرت هذه الحرب؟
إن إيقاف الحرب لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية. وكل يوم تأخير يعني مزيدًا من النزوح، ومزيدًا من اللاجئين، ومزيدًا من الدم، في حرب أثبتت أنها بلا أفق… وبلا منتصر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.