تتسارع التطورات في المشهد السوداني نحو اتجاهات إقليمية مقلقة، حيث تتقاطع معلومات ميدانية مع مؤشرات سياسية تُشي بوجود تحرّك منسّق لنقل جزء من الصراع إلى الداخل التشادي. ويبدو أن الجيش السوداني يعمل على إعادة توزيع ثِقل المواجهة عبر استراتيجية لا تعتمد على الاشتباك المباشر فحسب، بل ترتكز على توظيف فصيل «المشتركة» المعروف بـ«توروبورا» كأداة رئيسية لمدّ الصراع خارج الحدود السودانية.
لم تعد «المشتركة» قوة عسكرية محلية ضمن سياق الحرب السودانية، بل تحوّلت في المشهد الراهن إلى ورقة ضغط إقليمية ذات امتداد داخل تشاد.
وتستفيد هذه القوة من الروابط العرقية والتداخلات الاجتماعية بين مقاتليها وبعض مراكز النفوذ في إنجامينا، ما يمنحها قدرة على التحرك بوتيرة غير تقليدية داخل الأراضي التشادية. هذا التغلغل العميق جعل من تشاد مجالاً مفتوحاً لهذه التحركات، إلى حد بات يشكّل عمقاً استراتيجياً غير معلن للصراع.
تزداد خطورة المشهد مع تنوّع أدوات التصعيد التي لم تعد مقتصرة على التحركات القتالية.
فقد ظهرت موجة نشاط إعلامي متصاعد داخل تشاد، ينفذها ناشطون مرتبطون بالمكوّنات الاجتماعية الداعمة لـ«المشتركة»، حيث تستهدف هذه الحملات التأثير على المزاج الشعبي وإثارة التوتر الداخلي. وتتقاطع هذه الأنشطة مع تحركات عسكرية حسّاسة، أبرزها انضمام ضباط وجنرالات مقرّبين من تلك المكوّنات إلى صفوف «المشتركة»، في مشهد يعكس عمق الاختراق وتداخل المصالح، خصوصاً في إدارة خطوط الإمداد التي تنطلق من الأراضي التشادية نحو جبهات القتال في دارفور، وعلى رأسها معركة الفاشر.
يرى مراقبون أن نوايا الجيش السوداني في توسيع نطاق الصراع لا تنفصل عن محاولة لتخفيف الضغط على الجبهات الداخلية… غير أن هذه الخطوة تحمل في طيّاتها مخاطر جسيمة على الأمن التشادي، إذ تدفع إنجامينا إلى قلب صراع إقليمي لم تكن طرفاً مباشراً فيه.
وتستغل هذه التحركات هشاشة التوازنات القبلية في تشاد، ما يجعل البلاد عرضة لاضطراب سياسي وأمني قد يتحول إلى حالة استنزاف طويلة الأمد.
يمضي الباحث في الشؤون الإقليمية نور الدين المصطفى قائلاً لـ»عين الحقيقة» إن المشهد بمجمله لا يبدو مجرد تكهّنات سياسية، بل يعكس ديناميكيات تتبلور فعلياً عبر الحدود. فالتحركات العسكرية، والضغط الإعلامي، والتغلغل الاجتماعي، جميعها تُشي بأن تشاد أصبحت جزءاً من معادلة الصراع، سواء عبر استضافة خطوط الإمداد أو التأثر بالخطاب الذي يسعى لتهيئة الداخل لانقسام محتمل.
وبينما يستمر النزاع في السودان دون أفق واضح للحل، تبدو تشاد اليوم أمام اختبار حقيقي لاستقرارها الهش، حيث يتقاطع أمنها القومي مع مسار الحرب الدائرة في الفاشر وما حولها.
تزداد المخاطر مع كل خطوة يتوسّع فيها الصراع خارج حدوده، الأمر الذي يُحتّم تحرّكاً إقليمياً ودولياً عاجلاً لاحتواء الموقف قبل أن تتداعى الأوضاع نحو حرب مفتوحة تمتد إلى قلب المنطقة… فالتاريخ يؤكد أن انتقال الحروب عبر الحدود لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بتحولات صغيرة تتجه تدريجياً نحو انفجار يصعب السيطرة عليه، وهو ما تبدو ملامحه تتشكّل بالفعل في الساحة التشادية اليوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.