حملات الإقامة في مصر تشل حياة اللاجئين السودانيين وتثير مخاوف الترحيل القسري
تقرير: عين الحقيقة
ألقت الحملات الأمنية المكثفة التي تشنّها السلطات المصرية لضبط أوضاع الإقامة بظلالٍ ثقيلة على حياة آلاف اللاجئين السودانيين، وحوّلت يومياتهم إلى حالة من القلق والترقّب المستمر.
فبين الخوف من التوقيف المفاجئ، واحتمالات الترحيل القسري إلى بلد لا تزال نيران الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة منه، وجد لاجئون سودانيون أنفسهم أمام واقع إنساني وأمني بالغ التعقيد، شلّ قدرتهم على الحركة والعمل، وهدّد مصادر رزقهم واستقرارهم النفسي، لا سيما وسط فئة الشباب التي تعتمد على العمل اليومي لتأمين متطلبات الحياة.
وقال لاجئون سودانيون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» إن الحملات الأمنية الأخيرة شلّت حياتهم اليومية، وأجبرت أعداداً كبيرة منهم على الاختفاء عن أماكن العمل ومصادر الدخل، خشية التوقيف أو الترحيل، خصوصاً وسط الشباب السوداني النشط الذي يعيل أسرته داخل مصر أو يرسل دخلاً لأسرته خارجها.
وأشاروا إلى أن الخوف بات يرافقهم في تحركاتهم اليومية، حتى في أبسط الاحتياجات، في ظل اتساع نطاق الحملات وتكرارها.
إلى ذلك، أفاد ناشطون بأن السلطات المصرية ألقت القبض على عشرات اللاجئين السودانيين في القاهرة ومحافظات أخرى، بعضهم يحمل بطاقات صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قبل نقلهم إلى مراكز احتجاز وسجون في انتظار استكمال إجراءات ترحيلهم إلى السودان.
وأثار توقيف لاجئين يحملون وثائق لجوء معترفاً بها دولياً مخاوف متزايدة وسط الأوساط الحقوقية من احتمال الإعادة القسرية إلى بلد لا تزال الحرب مشتعلة فيه، بما يشكّل خطراً مباشراً على حياتهم وحريتهم، ويتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي للاجئين.
وبينما تتزايد المخاوف، أصدرت «منصة الجالية السودانية» في مصر بياناً دعت فيه جميع الرعايا السودانيين إلى الالتزام الكامل بالقوانين واللوائح المحلية، واحترام سيادة الدولة المصرية، مؤكدة ضرورة حمل جوازات السفر ووثائق الإقامة السارية بصورة دائمة لتجنب التوقيف في الشوارع وأماكن العمل.
وشددت المنصة على أن حمل الإقامة لا يُعد إجراءً روتينياً فحسب، بل يمثل حماية قانونية وشخصية للفرد، معتبرة أن ما يجري ليس مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتجاوزات تم التحذير منها مسبقاً، ومؤكدة في الوقت ذاته أن تنظيم التواجد الأجنبي حق سيادي تمارسه الدولة المصرية.
في المقابل، قدم قانوني سوداني ومدافع عن حقوق الإنسان فضّل عدم الكشف عن هويته، قراءة مختلفة للمشهد، موضحاً لـ«عين الحقيقة» أن جوهر المشكلة يكمن في مسألة الإقامات أكثر من مسألة اللجوء نفسها.
وأشار إلى أن السلطات المصرية تجري مراجعات دورية وسنوية لأوضاع الأجانب، وأن الغالبية العظمى من السودانيين لا يحملون بطاقات إقامة صادرة من مصلحة الجوازات والهجرة.
واستدرك قائلاً إن بطاقة المفوضية وحدها لا تكفي من الناحية القانونية، إذ يُفترض أن تصاحبها إقامة صادرة من وزارة الداخلية المصرية، لافتاً إلى أن المفوضية، عند تسليم بطاقة اللجوء، تمنح اللاجئ خطاباً موجهاً للجوازات لاستكمال الإجراءات، لكن كثيرين لا يلتزمون بذلك.
وانتقد المدافع الحقوقي عدم التزام الأغلبية بالقانون، مشيراً إلى أن الأعداد الكبيرة للسودانيين في مصر، إلى جانب التفاوت الواضح في أوضاعهم المعيشية، أسهما في تعقيد المشهد.
وأوضح أن بعض الأصوات السودانية الأكثر حضوراً في الفضاء العام تنتمي إلى شرائح ميسورة تعيش نمط حياة لا يمت لواقع اللجوء بصلة، والملاحظ في أوساط السودانيين في بعض الأحياء الراقية في القاهرة كثرة الفوضى بسبب الدعة والنعيم الذي يعيشون فيه؛ إذ تنتشر مقاهٍ ماجنة، وأندية، وحفلات صاخبة، ورقص، وأنماط حياة تحمل الفوضى بكل معنى الكلمة، في حين أن الغالبية، خاصة في المناطق الشعبية مثل فيصل وبقية الأحياء الشعبية، تبحث فقط عن الحد الأدنى من سبل العيش.
وتابع أن ذلك لا يعفي أي طرف من ضرورة تقنين الأوضاع، وهو الأمر الذي أدى إلى كراهية وامتعاض واضحين تجاه السودانيين من قبل المواطنين المصريين الذين أحسّوا بضيق وضجر من فوضى بعض السودانيين، والتعامل الذي لا يوحي بأنهم لاجئون وبلادهم تحترق، والقتل والتشريد يطاول الطرقات والقرى والبوادي والمدن.
إلا أن أكثر ما يثير القلق، بحسب شهادات متطابقة حصلت عليها «عين الحقيقة»، لا يتعلق فقط بعمليات التوقيف داخل مصر، بل يمتد إلى ما ينتظر المرحلين بعد إعادتهم إلى السودان.
وأكدت مصادر مطلعة أن المرحلين يتم تسليمهم في معبر وادي حلفا إلى الكتيبة التي تتبع للجيش السوداني في وادي حلفا، وفي الواقع، هناك تعامل وتمييز عنصري من قبل الكتيبة تجاه السودانيين المرحلين.
واستطرد المصدر: هناك مخاوف حقيقية من تعرض بعض المرحلين للاحتجاز لفترات طويلة أو لانتهاكات جسيمة، لا سيما القادمين من إقليم دارفور أو ولايات كردفان، الذين يُنظر إليهم بريبة باعتبارهم من حواضن الدعم السريع.
وأشار المصدر إلى أن هذه المخاوف دفعت كثيراً من اللاجئين إلى الاختباء وعدم مغادرة منازلهم، حتى للعمل أو شراء الاحتياجات الأساسية، خشية الوقوع في قبضة الحملات الأمنية ثم مواجهة مصير مجهول بعد الترحيل.
وتطابقت هذه الشهادات مع رواية مواطن سوداني مقيم في مصر، قال لـ«عين الحقيقة» إن المشكلة لا تكمن فقط في مخالفة قوانين الإقامة، بل في طبيعة الحملات نفسها، التي وصفها بـ«الكشات»، مشيراً إلى أن اللاجئ غالباً لا يُمنح فرصة لشرح وضعه، وقد يؤدي نسيان وثيقته في المنزل إلى الترحيل الفوري.
وأضاف أن عملية الترحيل لا تنتهي عند الوصول إلى حلفا، بل تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة، حيث يتم تصنيف المرحلين على أساس مناطقهم الجغرافية.
ولفت إلى أن القادمين من الوسط أو الشمال قد يُفرج عنهم لاحقاً، بينما يواجه القادمون من دارفور أو غرب كردفان، أو من مناطق تُتهم بأنها حواضن الدعم السريع، مخاطر أكبر قد تصل إلى السجن أو القتل والتعذيب من قبل الكتيبة.
وتضع هذه المشكلات اللاجئين السودانيين في مصر أمام معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين حق الدولة المصرية في تنظيم شؤون الإقامة وحماية أمنها القومي، وبين هشاشة أوضاع لاجئين فرّوا من حرب مدمرة ويواجهون مخاطر حقيقية في حال إعادتهم قسراً.
وفي ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية من السلطات المصرية أو السودانية حول مصير المرحلين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول حدود هذه الإجراءات، ومدى مراعاتها للبعد الإنساني، ومستقبل آلاف السودانيين العالقين بين مطرقة القانون وسندان الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.