جولة حمدوك الأوروبية: وهل تنجح الدبلوماسية المدنية في محاصرة أصوات المدافع؟
تقرير: عين الحقيقة
بينما تدخل الحرب في السودان عامها الثالث، مخلفةً واحدةً من أكبر أزمات النزوح في العالم، اختار الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدّم»، نقل المعركة إلى ساحة الدبلوماسية المدنية.
وجاءت جولته الأوروبية، التي شملت باريس ومقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، كمحاولة لإعادة إحياء المسار السياسي المدني في لحظة يترنح فيها السودان بين تسوية شاملة أو انزلاق كامل نحو التفكك.
تزامنت زيارة حمدوك مع تصاعد التحذيرات الدولية من المجاعة واتساع رقعة العنف في دارفور والخرطوم.
كما جاءت في ظل سعي سلطة بورتسودان إلى تكريس نفسها ممثلاً وحيدًا للدولة في المحافل الخارجية، مقابل تراجع حضور القوى المدنية.
هذا التوقيت منح الجولة بُعدًا يتجاوز الرمزية إلى محاولة إعادة تشكيل معادلة الشرعية السياسية.
لم تكن لقاءات حمدوك مع المسؤولين الفرنسيين وقادة الاتحاد الأوروبي بروتوكولية، إذ ركزت على تثبيت «تقدّم» كشريك رئيسي في أي عملية سياسية مقبلة، بما يضعف محاولات حصر التمثيل في طرفي النزاع العسكري.
كما طُرح ملف الحماية الدولية للمدنيين عبر ممرات آمنة للإغاثة ومناطق حظر طيران، في ظل تزايد تقارير المجاعة.
وفي جانب آخر، ناقش حمدوك الملاحقات القضائية الصادرة بحقه في السودان، حيث اعتبرتها دوائر أوروبية أوراق ضغط سياسية تفتقر إلى المعايير القانونية الدولية.
يرى الباحث الألماني توبياس سيمون، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن حمدوك نجح في ترسيخ ما وصفه بـ«الشرعية البديلة».
ويشير إلى أن أوروبا باتت ترى في القوى المدنية الضمانة الأهم لمنع تحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار دائمة تهدد الأمن الأوروبي عبر الهجرة غير النظامية.
في المقابل، ترى الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام، أن الجولة أسهمت في خلق كتلة دولية حرجة داعمة للمسار المدني، لكنها تحذر من أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى تأثير ملموس على الأرض، التي ما زال يهيمن عليها السلاح.
تشير التقديرات إلى احتمال تصاعد الضغط الأوروبي لفتح معابر إنسانية جديدة دون انتظار موافقة الأطراف العسكرية.
كما يبرز احتمال فرض عقوبات أوروبية تستهدف الشبكات الاقتصادية التي تمول الحرب.
وعلى صعيد التفاوض، تسعى العواصم الأوروبية إلى دمج منبر جدة مع رؤية أوروبية أفريقية أوسع لإنتاج منصة تفاوض موحدة.
تعكس جولة حمدوك الأوروبية محاولة جادة لإعادة الاعتبار للصوت المدني في لحظة تاريخية تتقلص فيها مساحات السياسة لصالح منطق السلاح. وقد نجحت الجولة في كسر حالة الفتور الدولي، وفتحت نافذة جديدة لإعادة طرح القضية السودانية من زاوية مدنية وإنسانية، بعيدًا عن اختزال الصراع في معادلة عسكرية صفرية.
غير أن هذه المكاسب الدبلوماسية تظل هشة ما لم تُترجم إلى آليات ضغط فعّالة تُغيّر موازين القوى على الأرض، وتحدّ من استمرار الحرب وتكلفتها الإنسانية.
فالدبلوماسية، مهما بلغت قدرتها على الحشد والتأثير، تبقى رهينة الإرادة الدولية واستعدادها للانتقال من بيانات القلق إلى قرارات حاسمة.
وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدبلوماسية المدنية في إسكات أصوات المدافع، أم تسبق المدافع مرة أخرى لغة السياسة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.