من فجر الفاشر؟ تقرير لجنة تحقيق يكشف خيوط الحرب والانتهاكات

تقرير: عين الحقيقة

كشفت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في مزاعم وإنتهاكات مدينة الفاشر، عن نتائج صادمة حول الأسباب والجهات التي قادت المدينة إلى أتون الحرب، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقدته بإقليم دارفور، الخميس الماضي، بعد فراغها من أعمال تحر وتحقيقات إستمرت لأشهر.

وشهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حرباً ضروساً إنتهت أواخر أكتوبر 2025م بتحرير المدينة من قبضة الجيش والحركات المسلحة، مخلفة أوضاعا إنسانية مأساوية تمثلت في نزوح واسع للسكان داخلياً، ولجوء الآلاف إلى دول الجوار، في واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ المدينة.

خلفيات اندلاع الحرب

مدينة الفاشر ظلت، منذ اندلاع حرب أبريل 2023م، تنعم بحالة من الهدوء النسبي بفضل حكمة القيادات الأهلية وحياد الحركات المسلحة التي كانت تتواجد بالمدينة ، إلى أن أعلنت الحركات المسلحة الموجودة، بقيادة مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، فك الحياد والإنحياز للقتال إلى جانب الجيش، الأمر الذي فجر شرارة المواجهات داخل المدينة، ودفع بها إلى مربع العنف المفتوح.

تشكيل لجنة التحقيق

وعقب توقف العمليات العسكرية، بادر رئيس الوزراء بحكومة السلام والوحدة الوطنية (تأسيس) محمد حسن التعايشي بتشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في مزاعم وإنتهاكاك الفاشر، والتي باشرت مهامها ميدانياً، وأنتهت إلى نتائج موثقة أعلنتها للرأي العام في مؤتمر صحفى.

انتهاكات جسيمة وجرائم منظمة

أعلنت اللجنة إكتمال تحقيقاتها حول ما جرى في مدينة الفاشر، مؤكدة تورط ما وصفتهم بعناصر من الحركة الإسلامية، إلى جانب حركتي العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، في إرتكاب إنتهاكات جسيمة بولاية شمال دارفور.

وأوضح التقرير أن مجموعات منظمة عملت على تأجيج الصراعات داخل المدينة عبر الإمداد بالسلاح والتحريض المباشر على القتال، في مسعى متعمد لجر الفاشر إلى الحرب. وكشفت اللجنة عن إدراج (75) شخصاً ضمن قوائم الملاحقة القانونية وفقاً للقوانين والإجراءات العدلية المعمول بها.

كما وثقت اللجنة إستهداف مناطق مدنية، أبرزها سوق “طرة”، حيث قتل (450) مواطناً، وأُصيب أكثر من (480) آخرين بجروح متفاوتة.

عسكرة معسكر زمزم للنازحين

وفي أحد أخطر محاور التقرير، كشفت اللجنة عن إستخدام المدنيين والنازحين كوسيلة من وسائل الحرب عبر عسكرة معسكر زمزم للنازحين، مؤكدة أن حركتي تحرير السودان (مناوي) والعدل والمساواة (جبريل) قامتا، بصورة ممنهجة ومتعمدة، بتحويل المعسكر من مرفق إنساني محمي إلى قاعدة عسكرية فاعلة.

وأشارت التحقيقات إلى نشر قوات مسلحة داخل وحول المعسكر، وإنشاء خنادق وتحصينات عسكرية، وإستخدام آليات قتالية ثقيلة، مع تعمد إبقاء المدنيين والنازحين داخل المنطقة أثناء إستخدامها لأغراض عسكرية.

وأكدت اللجنة أن هذه الممارسات تشكل جريمة حرب بموجب المادة (51/7) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة (8/2/ب) من نظام روما الأساسي، إضافة إلى مخالفتها للقانون الجنائي الإنساني الوطني، لا سيما المواد (186–192)، التي تصنف هذه الأفعال كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

وكشف التقرير عن تحديد (15) متهماً على صلة مباشرة بهذه الوقائع، من بينهم أعضاء اللجنة الإدارية لمعسكر زمزم، التي تحولت وفق التحقيق إلى “ذراع عسكرية”، وأعلنت الحرب عبر خطاب موثق بتاريخ 25/1/2025م.

إستغلال نفوذ وفساد في الأراضي

وفي ملف آخر، توصلت اللجنة إلى وجود إستغلال واضح للنفوذ وفساد واسع في توزيع الأراضي السكنية، حيث مكنت عناصر من الحركات المسلحة من الحصول على أراض بالمخالفة للقانون.

وأورد التقرير مستندات رسمية، من بينها خطاب صادر عن حركة العدل والمساواة (جناح جبريل إبراهيم) بتاريخ 24/12/2024م، موجه إلى والي شمال دارفور، يطلب التصديق بقطع أراض سكنية لمنسوبي الحركة، إلى جانب خطاب وزارة البنى التحتية والتنمية العمرانية، الذي تم بموجبه التصديق على قطع أراض بمربع (24/أ) غرب، بمساحة (400) متر مربع لكل منسوبي حركة مناوي.
وأكدت اللجنة حصول حركة جبريل على (1500) قطعة سكنية دون وجه حق، وحصول حركة تحرير السودان بقيادة مناوي على (2930) قطعة أرض بالمخالفة للقوانين واللوائح المنظمة، معتبرة ذلك اعتداء صريحا على المال والحق العام، ومخالفة لقوانين الأراضي والتخطيط العمراني لسنة 1994م.

فساد مالي في بنك السودان المركزي

كشف تقرير اللجنة الوطنية المستقلة عن فساد مالي واسع، تمثل في حصول أفراد وجهات مرتبطة بحركتي جبريل ومناوي على مبالغ مالية ضخمة تقدر بتريليونات الجنيهات السودانية من بنك السودان المركزي دون سند قانوني.

وأشار التحقيق إلى مستند صادر من وزارة المالية والإقتصاد والقوى العاملة، موجه إلى بنك السودان فرع بورتسودان بتاريخ 9/10/2025م، يقضي بصرف مبلغ (800) مليون جنيه لحسابين مصرفيين، بواقع (400) مليون جنيه لكل حساب، بإسم جمعة محمد حقار وتجاني الضهيب احمد إضافة إلى مستندات أخرى أودعت ضمن أضابير التحقيق.

كما رصدت اللجنة مخالفات مالية أخرى تتعلق بالمال العام، من بينها مصروفات تأهيل المضيفة الرئاسية بولاية شمال دارفور، بموجب خطاب رسمي صادر في 16/10/2024م، بنمرة الخطاب )21/ أ/ 1) الصادر من مكتب الأمين العام بمبالغ وصفتها اللجنة بالكبيرة.

وأكدت اللجنة أن هذه الوقائع تمثل إستغلالاً للنفوذ السياسي والعسكري، وخرقا للقوانين الجنائية والمصرفية، وتقويضا لنزاهة النظام المالي، مستندة في توصيفها إلى القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، ولوائح بنك السودان المركزي، وإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC).

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.