بينما تنشغل الآلة العسكرية في جبهات القتال الملتهبة، يبرز شرق السودان كساحة لمعركة من نوع آخر؛ معركة تتجاوز المطالب الخدمية لتصل إلى الوجود الإداري والتمثيل السياسي.
وشهد الإقليم خلال الأيام الماضية تحركات متناقضة، أبرزها مؤتمر توحيد منح تفويضًا كاملًا لقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مقابل احتجاجات ميدانية شلّت عصب الاقتصاد في الموانئ، إلى جانب تحذيرات قيادية من مخطط سري لإعادة رسم حدود الإقليم وضم ولاية البحر الأحمر إلى الإقليم الشمالي.
وفجّر الأمين السياسي لمجلس نظارات البجا، سيد علي أبو آمنة، في تصريحات صحفية، معلومات عن بروز مساعٍ خطيرة لفصل البحر الأحمر إداريًا وضمه إلى الإقليم الشمالي.
ولم يكن هذا التصريح مجرد تعبير عن مخاوف إدارية، بل قراءة لواقع يُنظر إليه كعملية جراحية تهدف إلى تفتيت الكتلة التاريخية للبجا.
وتفسر قيادات محسوبة على شرق السودان أن محاولة فصل كسلا عن البحر الأحمر تعني ضرب العمق الاستراتيجي لكيان البجا، وتحويل الميناء من رئة للإقليم إلى أداة تابعة لمركز إداري جديد، وهو ما تعتبره القيادات المحلية تفكيكًا متعمدًا للخصوصية التاريخية والاجتماعية التي صمدت لقرون.
وتابعت «عين الحقيقة» في مدينة كسلا، حيث اختتم قبل أيام مؤتمر توحيد أهل الشرق أعماله بتفويض الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإدارة البلاد، وهو ما اعتبره مراقبون اصطفافًا سياسيًا يمنح الحكومة غطاءً شعبيًا في مواجهة الضغوط الدولية.
غير أن هذا المشهد قوبل بهجوم حاد من أصوات إعلامية مؤثرة، أبرزها الإعلامية عزة إيرا، التي وصفت المبادرات الحكومية بأنها مشروعات لتفتيت النسيج الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: هل تسعى الحكومة إلى توحيد الشرق أم إلى صناعة قيادات بديلة تدين لها بالولاء المطلق؟ وبحسب مراقبين، فإن الهجوم على مفوضية السلام ووصف تمثيل الشرق في مجلس السيادة بالضعيف يؤكدان اتساع الفجوة بين القوى التقليدية المتمثلة في النظارات، وبين الترتيبات السياسية التي تُطبخ في أروقة السلطة بمدينة بورتسودان.
وعلى الضفة الأخرى، جاءت الاحتجاجات في هيئة المواصفات والمقاييس لتعقّد المشهد. فإغلاق الموانئ «الشمالي، الجنوبي، ودمادما» لم يكن مجرد احتجاج على «وظائف»، بل إشارة واضحة إلى ضعف الدولة في احتواء أزماتها داخل عاصمتها الإدارية المؤقتة.
وكانت الصحفية عزة إيرا قد أطلقت تحذيرات من أن شلل الموانئ يضع الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الخضوع لمطالب «الترس» وتثبيت نظام المحاصصة الوظيفية، أو مواجهة انهيار اقتصادي يترتب عليه تكدس الصادر والوارد وتجفيف الموارد المالية لدولة تعيش بالفعل حالة حرب.
ويرى محللون أن ما يحدث في شرق السودان حاليًا هو عملية إعادة تموضع كبرى؛ فمن جهة، هناك محاولات لتثبيت شرعية عسكرية عبر مؤتمرات التفويض، ومن جهة أخرى مقاومة قاعدية تستخدم الميناء كأداة ضغط، وبين هذا وذاك تبرز فوبيا التقسيم الإداري، التي قد تفجّر الأوضاع في أي لحظة.
ويحذر مراقبون من أن شرق السودان لم يعد المنطقة الآمنة التي لجأت إليها الحكومة، بل تحوّل إلى برميل بارود من التناقضات، مشيرين إلى أن استمرار سياسة رعاية المؤتمرات الشكلية وتجاهل الأزمات الإدارية والمطلبية قد يقود إلى واقع تفقد فيه السلطة السيطرة على الميناء والشارع معًا، لتجد بورتسودان نفسها عاصمة معزولة وسط إقليم يغلي برفض التفتيت ويطالب بالحكم الذاتي كخيار أخير.
ما يجري في شرق السودان لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة أو صراعات مطلبية معزولة، بل كصدام مكتمل بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج السلطة عبر تفويضات شكلية وخرائط إدارية مفروضة، وآخر يتمسك بالتمثيل التاريخي والحق في تقرير المصير الإداري والسياسي.
وبين هذين المسارين، يقف الإقليم على حافة انفجار صامت؛ قد تبدأ شرارته من الميناء أو من الحدود الإدارية، لكنها سرعان ما ستمتد إلى عمق الدولة نفسها. فإما أن تُدار أزمة الشرق بعقل الدولة الجامعة، أو يُترك الإقليم ليكتب فصله الأخطر في تاريخ الصراع السوداني الحديث.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.