«الخندق الرقمي».. كيف تدير شركات التسويق الخفية معركة «تزييف الوعي» في حرب السودان؟
تقرير: عين الحقيقة
بينما تدوي أصوات المدافع في الخرطوم والجزيرة، دارفور، وكردفان تدور رحى معركة أخرى لا تقل ضراوة في الفضاء السيبراني؛ معركة سلاحها «الخوارزميات»، وجنودها «جيوش إلكترونية» منظمة، وضحيتها الأولى هي «الحقيقة».
يسلط تقرير «عين الحقيقة» الضوء علي دور شركات التسويق الإلكتروني وغرف العمليات الرقمية في توجيه مسار الحرب السودانية، عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد: تلميع صورة الجيش السوداني وكتائب الإسلاميين، وشيطنة القوى المدنية الداعية لوقف الحرب، صمود، تأسيس والمجتمع المدني وتكريس صورة نمطية لقوات الدعم السريع بوصفها عدوًا وجوديًا لا يقبل التفاوض.
الوجه الآخر للحرب: من «الدعاية» إلى «الصناعة»
منذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل 2023، لم تعد أدوات الدعاية التقليدية كافية.. وتشير تحليلات البيانات الرقمية إلى دخول «لاعبين محترفين» ساحة الصراع؛ شركات علاقات عامة وتسويق رقمي، بعضها عابر للحدود، تعمل بعقود مدفوعة لتقديم خدمات «إدارة السمعة» و«توجيه الرأي العام».
هذه الكيانات لا تعمل بعشوائية، بل تستند إلى قواعد بيانات واسعة وتحليلات نفسية دقيقة للجمهور السوداني، مستغلة مشاعر الخوف والغضب لزرع رسائل مصممة بعناية، تخدم استمرار النزاع وتجهض أي مساعٍ لحلول سلمية.
المحور الأول: «المخلص الوحيد».. إعادة هندسة صورة الجيش
تركّز الحملات المنظمة على إعادة صياغة صورة الجيش السوداني في الوعي الجمعي، من مؤسسة يفترض أن تحمي الدستور، إلى كيان يُقدم باعتباره «حامي الوجود». وتعتمد غرف العمليات الرقمية في ذلك على تكتيكات أبرزها:
العاطفة الوطنية: إنتاج مقاطع فيديو احترافية تمزج الأناشيد الحماسية بصور الجنود، مع ترسيخ سردية «معركة الكرامة»، وربط مصير المواطن بمصير الجيش حصريًا.
حجب الإخفاقات: تعمل اللجان الإلكترونية- المعروفة شعبيًا بـ«الجقور» أو «البلابسة»- على إغراق المنصات بمحتوى كثيف عند أي انسحاب أو خسارة ميدانية، إما لتشتيت الانتباه أو لتبرير الفشل بوصفه «تكتيكًا عسكريًا».
رفض التفاوض: أي حديث عن العودة للمنابر التفاوضية الدولية والمساعي الإقليمية أو الحلول السلمية يُواجَه بحملات منسقة تصفه بـ«الانهزامية»، في محاولة لخلق انطباع زائف بأن الشارع يرفض السلام مطلقًا.
المحور الثاني: اغتيال «المدنية» معنويًا
ربما يكون هذا المحور هو الأخطر في الحرب الرقمية، إذ تُوجّه نيران الحملات بشكل منهجي نحو القوى المدنية، بما في ذلك تنسيقية «تقدم»، ولجان المقاومة، والناشطين المستقلين. وهنا تتحول شركات التسويق إلى أدوات «اغتيال معنوي» عبر:
سردية «الظهير السياسي»: ترسيخ مصطلح «القحاتة» كوصمة سياسية، وربط القوى المدنية عضويًا بقوات الدعم السريع، وتصويرهم باعتبارهم «الجناح السياسي للمتمردين»، بهدف تخوين دعوات وقف الحرب وتجريم الحياد.
التزييف العميق: استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لفبركة تصريحات لقادة مدنيين، أو اجتزاء حديثهم من سياقه، بما يوحي بتأييدهم للعنف أو الشماتة في الجيش.
المحور الثالث: شيطنة الخصم وإغلاق باب العقل
في ما يتعلق بقوات الدعم السريع، تعتمد الحملات الرقمية على تكتيك «التجريد من الإنسانية»، حيث تعمل الماكينة الإعلامية الموالية للجيش على:
تعميم توصيفات عنصرية، مثل مصطلح «الجنجويد»، لتشمل حواضن اجتماعية كاملة، بما يغذي خطاب الكراهية والانقسام.
التركيز الانتقائي على الجرائم البشعة، ليس من منظور حقوقي، بل لتوظيفها سياسيًا في رفض الهدن الإنسانية وإغلاق أي أفق للحلول.
كيف تعمل «المطابخ» الرقمية؟
تقنيًا، تعتمد هذه الشركات على «مزارع النقرات» والحسابات الوهمية لرفع وسوم محددة إلى قوائم «الأكثر تداولًا». وبمجرد تصدر الوسم، ينجرف مستخدمون عاديون خلفه، معتقدين أنه يعكس رأي الأغلبية.
كما تُستخدم مجموعات مغلقة على تطبيقات مثل «واتساب» و«تليغرام» لتوحيد «نقاط الحديث»، ونشرها بشكل متزامن للدفاع عن موقف بعينه أو الهجوم على شخصية محددة.
ضحايا بلا دماء
تكمن خطورة هذه الحرب الرقمية في آثارها بعيدة المدى، إذ لا تقتصر على التضليل الآني، بل تمتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي السوداني. فما يجري ليس «إعلامًا حربيًا» بالمعنى التقليدي، بل عملية «هندسة اجتماعية» تهدف إلى القضاء على الوسطية واغتيال أي صوت ينادي بالدولة المدنية الديمقراطية، ليصبح الخيار المطروح أمام السودانيين: إما عسكرة الدولة بالكامل أو الفناء.
في «عين الحقيقة»، نضع هذا الملف أمام الرأي العام، إيمانًا بأن الوعي هو خط الدفاع الأخير في مواجهة من يستثمرون في استمرار الحرب وسفك الدماء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.