بينما يصارع الملايين من السودانيين للبقاء على قيد الحياة وسط أسوأ كارثة إنسانية في العالم، وتتلاشى قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، تغوص «عين الحقيقة» عن جبهة أخرى للحرب؛ جبهة تُدار بالدولار المنهك من خزينة الدولة، لا لشراء القمح أو الدواء، بل لشراء الولاءات الإعلامية وخدمات شركات الضغط في واشنطن وعواصم القرار.
وتُظهر بيانات سجل الوكلاء الأجانب أن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان ضاعفت إنفاقها على شركات العلاقات العامة الدولية منذ عام 2024 وحتى مطلع 2026.
ومن أبرز هذه الصفقات مجموعة فوغل، التي تتقاضى حالياً ما يعادل 40 ألف دولار شهرياً مقابل تحسين صورة الجيش في الكونغرس الأميركي تحت إشراف مباشر من أليكس فوغل وفريقه.
كما وقّعت شركة بالارد بارتنرز عقداً بقيمة 300 ألف دولار كدفعة مقدّمة للوصول إلى دوائر صنع القرار في الحزب الجمهوري، وهو عقد وقّعه المستشار بالسفارة السودانية في واشنطن أبشر عبد الخضر محمد. واستمراراً لنهج بدأ منذ عام 2019 بعقد بلغت قيمته ستة ملايين دولار، لا تزال خيوط العلاقة مع شركة ديكنز آند مادسون ممتدة لضمان التغطية الإعلامية المواتية وتشويه الخصوم.
وخلف كل ظهور لخبير أمني أو محلل سياسي يبرر الانتهاكات أو يهاجم القوى المدنية، تقبع منظومة مالية معقدة يجري من خلالها تحريك هؤلاء عبر نقاط حديث تُصاغ في مكاتب العلاقات العامة بواشنطن وتُسلَّم للمحللين للترويج لرواية واحدة، إلى جانب تمويل غير مباشر عبر عقود استشارية وهمية أو مكافآت ظهور تُدفع من حسابات سفارات أو ملحقيات عسكرية في الخارج، لضمان عدم ملاحقتهم قانونياً كوكلاء أجانب.
ويكشف التحقيق أن مصادر تمويل هذه البروباغندا تخرج من ثلاث قنوات مظلمة، تبدأ باستقطاعات مباشرة من الميزانية السيادية عبر موارد الدولة في السفارات السودانية بالخارج، وهي أموال كان يفترض أن تُخصص لخدمة السودانيين العالقين في المنافي. كما تشمل شركات عسكرية مثل منظومة الصناعات الدفاعية وشركة زادنا، التي تسيطر على عوائد الذهب والمحاصيل النقدية، وتقوم بتحويل العملة الصعبة مباشرة إلى حسابات الشركات الدولية عبر بنوك وسيطة، إضافة إلى استخدام شركات واجهة في عواصم إقليمية لتمويل الحملات الرقمية التي تستهدف تضليل الرأي العام السوداني والدولي.
وتتجاوز كلفة هذه العقود، بحسب التحقيق، عشرة ملايين دولار منذ اندلاع الحرب، وهي أموال تُدفع من دماء وأقوات السودانيين. وبينما ينجح البرهان في شراء ساعة هواء على قناة عالمية أو لقاء عابر مع مسؤول دولي، تظل الحقيقة ثابتة على الأرض؛ فالأموال التي كان يمكنها إنقاذ آلاف الأطفال من الجوع تُنفق لغسل سمعة من تسببوا في جوعهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.