الحركة الإسلامية السودانية: توظيف المال لإطالة الحرب وبناء القوة الموازية المال والسلاح والحرب: كيف وظّفت الحركة الإسلامية السودانية منظومتها المالية لإطالة أمد النزاع وبناء قوة موازية
تقرير : عين الحقيقة
منذ انطلاق الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، بدا واضحاً للمراقبين أن الاشتباك المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ليس مجرد صراع عسكري على السلطة، بل هو في جوهره تعبير عن مشروع أعمق، يرعاه طرف ثالث اعتبره كثيرون المستفيد الأكبر من استمرار الحرب وإطالة أمدها: الحركة الإسلامية السودانية. فهذه الحركة التي حكمت السودان ثلاثة عقود متصلة بعد انقلاب عام 1989، وفقدت السلطة بثورة ديسمبر 2019، لم تنسحب من المشهد، بل وظّفت تراكمها المالي والتنظيمي والعسكري الهائل لإعادة رسم خارطة النفوذ، مستعيضةً عن الشرعية الانتخابية بسلطة الأمر الواقع.
المال الذي راكمته على مدى ثلاثة عقود لم يكن مجرد أداة لتمويل نشاطها الحزبي، بل كان استثماراً استراتيجياً في بنية نفوذ لا تمسّها حكومة انتقالية ولا تطولها قرارات تقييدية..
لا يمكن فهم الدور المالي للحركة الإسلامية في الحرب الراهنة دون استيعاب ما أنجزته في ثلاثة عقود من الهيمنة على مفاصل الاقتصاد السوداني. فمنذ اللحظة الأولى لانقلاب 1989، انطلق مشروع شامل يرتكز على ثلاثة محاور متشابكة: التمكين السياسي والاجتماعي عبر إقصاء آلاف الموظفين والضباط وإحلال الكوادر الموالية، والتمكين العسكري عبر توسيع قوات الدفاع الشعبي وإنشاء كتائب الإسناد، والتمكين الاقتصادي عبر خصخصة المؤسسات ونهبها، وإنشاء شركات واجهة لتمويل الحرب، وربط الاقتصاد بدول حليفة كإيران وتركيا وماليزيا.
، وهو ما يفسّر قدرتها على استمرار العمل والتأثير حتى بعد خروجها الرسمي من السلطة. فالمال الذي راكمته على مدى ثلاثة عقود لم يكن مجرد أداة لتمويل نشاطها الحزبي، بل كان استثماراً استراتيجياً في بنية نفوذ لا تمسّها حكومة انتقالية ولا تطولها قرارات تقييدية. يرى المحلل صلاح حسن جمعة أن الحركة الإسلامية ورثت الجيش كاملاً، حتى أمواله، إذ إن الشركات والبنوك باتت في يد نظام الإخوان المسلمين، وأنهم استولوا كذلك على النفوذ وصنع القرار السياسي في الدولة.
هذا التغلغل في المنظومة الاقتصادية للدولة لم يكن عشوائياً. فمنذ مطلع التسعينيات، حوّلت الحركة الاقتصاد السوداني إلى حقل تجريب لمبدأ “التمكين”: توزيع الموارد العامة على الكوادر الموالية، وإنشاء شبكة من الشركات التجارية التي تعمل كواجهات لتدوير الأموال وتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية. وبحلول عام 2019، حين أطاحت ثورة ديسمبر بنظام البشير، كانت هذه الشبكة قد بلغت من الرسوخ حدّاً يجعل إزالتها أمراً بالغ الصعوبة. حين اندلعت الحرب، لم يجد الإسلاميون صعوبة في تحويل رصيدهم المالي إلى وقود للمعارك. فالشبكة التي بنوها لم تنتظر إشارة البدء، بل كانت جاهزة ومعبّأة مسبقاً. وتكشف الوقائع أن هذا التحويل جرى عبر مسارات متعددة ومتداخلة.
كشفت الوقائع أن مئات الملايين من الدولارات جرى تهريبها إلى تركيا في أعقاب سقوط نظام الإسلاميين بقيادة عمر البشير، وأُعيد توظيف هذه الأموال لإفساد المرحلة الانتقالية..
أولها المسار العلني: في الثامن والعشرين من سبتمبر 2023، عقد قادة الإسلاميين، بقيادة أمين عام الحركة الإسلامية علي كرتي، اجتماعاً مطوّلاً مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في بورسودان لمناقشة خيارات التعامل مع الحرب. وبحسب مصادر مطلعة، حثّ القادة الإسلاميون البرهان على تجنب أي تسوية تفاوضية لإنهاء الصراع، وتعهدوا بتزويد الجيش بآلاف المقاتلين المحتشدين، مؤكدين أن الحركة ألقت بثقلها الكامل في الحرب ضد قوات الدعم السريع
أما ثانيها فالمسار المالي الخارجي: فقد كشفت الوقائع أن مئات الملايين من الدولارات جرى تهريبها إلى تركيا في أعقاب سقوط نظام الإسلاميين بقيادة عمر البشير، وأُعيد توظيف هذه الأموال لإفساد المرحلة الانتقالية عبر شركات علاقات عامة مكلفة بالتأثير في الرأي العام، بالتعاون مع حلفائهم في الجماعات المسلحة.
وثالثها المسار عبر التبرعات الدولية: إذ رصدت تقارير استخباراتية وجهات رقابية دولية منظمات خيرية متعددة مسجّلة في دول أوروبية وخليجية تُستخدم غطاءً لضخ أموال تصل في نهاية المطاف إلى دعم الوجود العسكري للإسلاميين. وقد وصف المحللون هذه الآلية بأنها “جمع تبرعات للدول الإسلامية التي تعاني صراعات، وهي وسيلة مهمة لتمويل التنظيم، وقضية في الأغلب تكون مركزية على مستوى التنظيم الأم.”
في الثامن والعشرين من سبتمبر 2023، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية ووزير الخارجية الأسبق. وجاء قرار العقوبات معبّراً في حد ذاته عن الوظيفة التي يؤديها كرتي في المنظومة: اتُهم كرتي بقيادة جهود تعطيل مسيرة السودان نحو التحوّل الديمقراطي الكامل، بما في ذلك تقويض الحكومة الانتقالية المدنية السابقة، وعرقلة عملية الاتفاق الإطاري السياسي، مما أسهم في اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل 2023. وقد اتُهم كرتي وغيره من المتشددين الإسلاميين بالتصدي بفاعلية لجهود التوصل إلى وقف لإطلاق النار لإنهاء الحرب.
وفي توصيف دال على طبيعة التشابك بين المال والنفوذ والسياسة، اتُهمت الحركة الإسلامية بممارسة منافسة غير مشروعة مع شركات القطاع الخاص بهدف احتكار السيطرة على الاقتصاد السوداني. وكرتي نفسه ليس مجرد قيادي سياسي، إذ وصفه المحللون بأنه كان نشطاً في تجارة المعادن وصناعات الحديد والصلب والأسمنت، مما يكشف عن نموذج الرجل متعدد الأوجه الذي يُدير السياسة والأعمال والحرب في آنٍ معاً.
وقد جاء رد الحركة الإسلامية على العقوبات كاشفاً: وصفت الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المنحل عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية بأنها “وسام شرف”.هو موقف يعكس يقيناً راسخاً بأن الحرب لا تزال ورقة رابحة في يدهم، وأن العقوبات الخارجية لن تنال من شبكة محلية بالغة التعقيد والتداخل.
الميليشيا الإسلامية السودانية الناشطة نشأت ضمن الشبكة المعقدة من الميليشيات والفصائل المسلحة في السودان، وترتبط بقوات الدفاع الشعبي الميليشيا شبه العسكرية التي كانت نشطة في عهد نظام البشير، والمعروفة حالياً بـ”الكتائب الظل”..
ربما يكون أكثر ما يكشف عن العلاقة العميقة بين المنظومة المالية للحركة وبنيتها العسكرية هو مسار تطور قواتها الموازية للجيش. فمنذ انقلاب 1989، شكّل البشير قوات الدفاع الشعبي بوصفها كياناً قانونياً في نوفمبر 1989، وكانت تُعدّ على غرار الحرس الثوري الإيراني، وبلغت نحو 100 ألف مقاتل قبل أن تُحلّ وتتحول إلى قوات احتياطية تابعة لوزارة الدفاع في يناير 2020.
غير أن “الحل” الرسمي لهذه القوات لم يعنِ فعلياً تفكيك بنيتها ولا إنهاء ولاءاتها. فحين اندلعت الحرب، أعادت هذه القوات تشكيل نفسها تحت مسميات جديدة، كان أبرزها كتيبة البراء بن مالك. هذه الميليشيا الإسلامية السودانية الناشطة نشأت ضمن الشبكة المعقدة من الميليشيات والفصائل المسلحة في السودان، وترتبط بقوات الدفاع الشعبي الميليشيا شبه العسكرية التي كانت نشطة في عهد نظام البشير، والمعروفة حالياً بـ”الكتائب الظل”.
وقد تضخّمت هذه الكتيبة بسرعة مذهلة لتصبح قوة لا يمكن تجاهلها. أصبحت كتيبة البراء بن مالك قوةً تضم 20 ألف مقاتل مجهزين بأسلحة متطورة، وقد اضطر الجيش إلى الاستناد إليها منذ الساعات الأولى لاندلاع الصراع في الخامس عشر من أبريل 2023. وقد أسهمت هذه الكتيبة إسهاماً بالغاً في المعركة ضد قوات الدعم السريع، وساعدت الجيش على الإمساك بسلاح المدرعات جنوب الخرطوم
ولا تقف أهمية الكتيبة عند حدود وظيفتها القتالية. يُشير تقرير مسرّب إلى أن كتيبة البراء بن مالك يشرف عليها قادة إسلاميون هم علي كرتي وأسامة عبد الله، تحت إشراف عملياتي من يصرّ الجيش السوداني على وصفه بيسر العطا. وتنقسم الكتيبة بين فصائل متوافقة مع كرتي وأحمد هارون من جهة، وإبراهيم محمود وإبراهيم غندور من جهة أخرى، لكنها متوحدة في القتال إلى جانب الجيش ومعارضة قوى المدنيين الديمقراطيين.
وفي تقرير مُسرَّب صدر في ديسمبر 2024، كشف تقرير أداء داخلي مسرّب للحركة الإسلامية السودانية عن تغلغلها العميق في قوات المقاومة الشعبية، الميليشيات المدنية التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع. ويصف التقرير، الذي يغطي الفترة من أبريل 2023 إلى أبريل 2024، الحرب بوصفها “استمراراً للمشروع الصهيوني في السودان”، ويُفصّل إنشاء 2275 معسكراً لتدريب قوات المقاومة الشعبية تحت إشراف لجنة مركزية لها فروع في كل ولاية. وتُشير بيانات التقرير إلى تعبئة 653 ألفاً و106 أفراد، مع مشاركة 73 ألفاً و912 منهم فعلياً في العمليات القتالية
المنظومة المالية والعسكرية للحركة لم تكن لتصمد طويلاً في مواجهة الحصار الداخلي لولا دعم خارجي منظّم. وقد كشفت الأحداث المتراكمة منذ 2023 عن شبكة دعم تتقاطع فيها مصالح تركيا وإيران وقطر، بدرجات متفاوتة وعبر قنوات مختلفة.
وصف المحللون الأتراك بأنهم يرعون الميليشيات الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين، ولا سيما مجموعة البراء بن مالك، التي زوّدوها بطائرات بيرقدار المسيّرة التي لم تُسلَّم حتى للعسكريين الموالين للبرهان.
أما إيران، فتتجاوز مساهمتها مجرد تزويد الميليشيا بطائرات مسيّرة من طراز شاهد، إذ أفادت وزارة الخزانة الأمريكية بأن كتيبة البراء بن مالك تلقّت تدريباً وأسلحة من الحرس الثوري الإيراني، وأن قادة إسلاميين سودانيين توجهوا إلى طهران لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي
وقد أشار مراقبون سودانيون إلى أن الزعيم الديني للحركة الإسلامية عبد الحي يوسف صرّح علناً بما قد يبدو تهديداً للبرهان نفسه، إذ قال إن “الإخوان المسلمين موجودون في كل مكان في البلاد، بما في ذلك مكتب القيادة العسكرية”. وجاء ردّ البرهان على هذا التصريح ليعكس حدة التوتر بين الطرفين: “من كان لديه عضو من الإخوان المسلمين يقاتل في صفوف القوات المسلحة، فليسحبه.”
غير أن هذا التوتر لم يؤدِّ إلى انفصال فعلي. وفقاً للمحلل السياسي الدكتور بشير الشريف، فإن الجيش والحركة الإسلامية يجمعهما معارضتهما لقوى المجتمع المدني السوداني وللإرث الثوري الداعي إلى إنهاء الحكم العسكري
تعود أطراف الحرب الجارية إلى مكوّنات الحركة الإسلامية، كنتيجة منطقية لسياساتها في الجيش الذي تهيمن عليه..
لا تقتصر أدوات الحركة على السلاح والمقاتلين، بل تمتد إلى الإمساك بمفاتيح الاقتصاد حتى في وسط الحرب. فالشركات التي تسيطر عليها الحركة الإسلامية تواصل نشاطها، وتتحول عائداتها إلى وقود إضافي لاستمرار الصراع. تحاول الحركة الإسلامية استعادة قبضتها على السلطة والدولة والحرب، من وراء حكومة الأمر الواقع في بورسودان .
وقد فطن المراقبون الدوليون إلى هذه الديناميكية، واتخذوا منها أساساً لتوسيع نطاق العقوبات. يقف خلف رفض البرهان للتسوية عنصر فاعل وكثيراً ما يُغفَل عنه، هو شبكة الحركات السياسية الإسلامية والميليشيات التي باتت محورية لعمليات الجيش السوداني. فتنظيم العدل والمساواة يوفر مقاتلين وقنوات تمويل ونفوذاً سياسياً، فيما تجلب كتيبة البراء بن مالك القوى البشرية والزخم الأيديولوجي الضارب في جذور الميليشيات الإسلامية في عهد البشير.
تُعدّ الحركة الإسلامية السودانية الوحيدة بين حركات الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي التي وصلت إلى السلطة واستحوذت على مؤسساتها، وفرضت هيمنتها بحكم منفرد وسلطة خالصة. وتعود أطراف الحرب الجارية إلى مكوّنات الحركة الإسلامية، كنتيجة منطقية لسياساتها في الجيش الذي تهيمن عليه، وقوات الدعم السريع التي كوّنتها وقنّنت وجودها، والكتائب الشعبية التي تنتمي إليها تنظيماً
وهنا تكمن الفرادة السودانية مقارنةً بالنماذج المشابهة: فبينما اكتفت كثير من الحركات الإسلامية ببناء شبكات نفوذ مالي مستقلة عن الدولة، نجحت الحركة الإسلامية السودانية في أن تجعل هذه الشبكة متشابكةً مع أجهزة الدولة إلى حدٍّ يصعب معه الفصل بين ما هو عسكري رسمي وما هو إسلامي موازٍ. لم تقتصر هذه الحركة على الهيكلة التنظيمية، بل عمدت إلى بناء واجهات عسكرية كانت تُراد لها في الأصل أن تكون ذراعاً لتحقيق المال في هذا السياق ليس مجرد أداة للحرب، بل هو وصيٌّ على الاستراتيجية ومحدّد لمسار الصراع. والأرجح، ما لم تتضافر ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة، أن الحركة الإسلامية السودانية ستبقى تراهن على أن الوقت حليفها، وأن ثروتها التنظيمية والمالية المتراكمة كافية لاستيعاب كل موجة إصلاح أو انتقال ديمقراطي، ما لم يُكمل السودانيون أنفسهم المهمة التي لم تكتمل بعد: فك الاشتباك بين منظومة الدولة ومشروع التمكين الإسلامي الذي اخترق أوردتها على مدى ثلاثين عاماً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.