الكيانات الدينية السودانية ومسؤولية اللحظة الوطنية (1)

محمد الامين عبد النبي 

في أسئلة اليوم التالي لمستقبل السودان، لا يمكن القفز فوق موقع الكيانات الدينية بوصفها فاعلاً مركزياً في المجال العام، ولرمزيتها وقدرتها على تشكيل المزاج الجمعي وتوجيه البوصلة الأخلاقية للمجتمع. فالتحولات العميقة التي عصفت بالدولة والبنية الاجتماعية خلال سنوات الحرب أعادت ترتيب الأولويات، وفرضت مراجعات لمفاهيم الشرعية والسلطة والدور المجتمعي. وفي قلب هذه المراجعات يبرز سؤال واضح: كيف ستعيد الكيانات الدينية تعريف وظيفتها في سياق وطني يتشكل من جديد؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي، بالضرورة، إحياء قيمة الحوار الموضوعي شرطاً لفهم الظاهرة الدينية في سياقها الاجتماعي. إذ لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة الدين كعقيدة أو منظومة إيمانية مطلقة، وإنما هدفه دراسة مواقف رجال الدين باعتبارهم فاعلين يتجسد الدين في سلوكهم ومؤسساتهم وصراعاتهم؛ أي تشكلات التدين كما تمارسها الكيانات الدينية على ضوء التحولات والتغيرات في المجتمع والدولة. فلم يعد ممكناً الاكتفاء بالأنماط التقليدية في التفكير أو الركون إلى خطاب وعظي معزول عن تعقيدات الدولة الحديثة ومحددات المجتمع المدني. فالسودان اليوم يقف أمام منعطف تاريخي يتطلب من الكيانات الدينية أن تنتقل من موقع التفاعل الانفعالي مع الأحداث إلى موقع الشراكة الواعية في صناعة السلام والاستقرار وبناء التماسك الوطني. وهذا يقتضي تحديث أدواتها المعرفية، وتجديد خطابها، وتحرير رسالتها من أسر الاستقطاب السياسي أو العصبيات الضيقة.
إن دور الكيانات الدينية في هذه اللحظة لا يتمثل في الاصطفاف داخل معادلات الصراع، وإنما في ترسيخ القيم المؤسسة للدولة العادلة لا سيما السلم الأهلي والتعايش السلمي، واحترام التعدد، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتعزيز ثقافة القانون، والإسهام في رفع الوعي العام، وتحصين المجتمع ضد خطابات الكراهية والانقسام، وتوجيه الطاقات الجماعية نحو البناء والتنمية.
بهذا المعنى، فإن على عاتق الكيانات الدينية مسؤولية تاريخية؛ إما أن تكون جزءاً من مشروع وطني متجدد يواكب تحولات الدولة والمجتمع ويسهم في تطويرهما ضمن أطر مدنية حديثة، وإما أن تبقى أسيرة نمطية تقليدية تعجز عن ملامسة تحديات العصر. واليوم التالي في السودان لن يُكتب بقرارات السياسة وحدها، بل بتموضع هذه الكيانات بين واجبها الأخلاقي واستحقاقات الدولة الوطنية.

السياق التاريخي والاجتماعي:
دخلت المسيحية السودان في منتصف القرن السادس الميلادي، حيث تبنت ممالك نوباتيا والمقرة وعلوة الأرثوذكسية ديانة رسمية، وشهدت تلك الحقبة ثراءً لغويًا جمع بين القبطية واليونانية والمروية، مما أرسى أولى قواعد الأديان السماوية في المنطقة.
مع منتصف القرن السابع الميلادي، بدأت طلائع الفتح الإسلامي بقيادة عبد الله بن أبي السرح، والتي أفضت إلى اتفاقية “البقط” الشهيرة. ولم يكن التحول إلى الإسلام عسكريًا بالكامل، بل جاء نتيجة تمازج اجتماعي طويل ومصاهرة بين العرب وملوك النوبة، حتى انهارت آخر الممالك المسيحية عام 1504م بقيام مملكة سنار (السلطنة الزرقاء) كأول دولة عربية إسلامية.
عاش الوجدان الديني السوداني مخاضًا عسيرًا في العصر الحديث؛ بدءًا من التوسعات في عهد محمد علي باشا، ثم المد الثوري في الدعوة المهدية، وصولًا إلى الحكم الثنائي عام 1899م، حيث بدأت السياسة الاستعمارية في إعادة هندسة الخارطة الدينية للبلاد. فقد لعبت دورًا محوريًا في تعميق الهوة الدينية عبر قانون المناطق المغلقة، الذي عزل جنوب السودان عن شماله، وحظر اللغة العربية، ومنح الإرساليات المسيحية حق التبشير الحصري في الجنوب. وكانت هذه السياسة تهدف إلى صناعة هوية منفصلة للجنوب بعيدة عن المؤثرات الإسلامية، وهو ما وضع البذور الأولى للصراع الهوياتي والديني لاحقاً.
في العقود الأخيرة، تحول التباين الديني إلى وقود للحروب الأهلية، حيث جرى تصوير الصراع كمعركة دينية بين “شمال مسلم” و”جنوب مسيحي”. ورغم أن هذا الاستقطاب الحاد أدى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، فإن السودان المعاصر لا يزال يحتفظ بتنوع ديني. لقد كان الصراع في الجنوب قبل 1989 صراعاً حول تقاسم السلطة والثروة والاعتراف بالهوية الثقافية، لكن نظام الإنقاذ أحدث نقلة نوعية بإعلان الجهاد في الجنوب، واستخدم آلة إعلامية ضخمة لصياغة مشهد سريالي للحرب؛ حيث أُقيمت أعراس الشهداء بدلًا من المآتم، وروّجت السردية الرسمية لكرامات غيبية في أرض المعركة. ولم يهدف هذا الاستغلال العاطفي للدين إلى حشد المقاتلين فحسب، بل إلى شق المجتمع طولياً، بحيث أصبح نقد الحرب أو المطالبة بالسلام يُفسَّر في أروقة النظام جريمة وإثم كبير يستدعي الغسل في البحر الاحمر.
في كتابه “الإسلام السوداني: دراسة في أنثروبولوجيا الدين الشعبي في السودان”، قدم الدكتور حيدر إبراهيم علي قراءة للإسلام في السودان بوصفه تجربة تاريخية واجتماعية متشكلة عبر مسار دخوله المبكر على يد التجار والمتصوفة، ثم اندماجه التدريجي مع البنى الثقافية المحلية وتحوّله إلى أنماط متعددة من الممارسة والتدين. ينحاز حيدر إلى مقاربة تميّز بين الإسلام كعقيدة توحيدية واحدة، وبين التمثلات البشرية والسياقية التي تختلف باختلاف شروط الانتشار والقوى الحاملة للدين، وبحسب طبيعة التفاعل مع الموروثات المحلية؛ لذلك تتباين أشكال التدين بين الأقاليم بل داخل الإقليم الواحد. وقد درس حيدر الدين كظاهرة اجتماعية تتجلى في السلوك والعلاقات والمؤسسات، بحيث يصبح موضوع البحث هو المسلمون في واقعهم المعاش لا الإسلام كنص مقدس، وهو ما يفسر اهتمامه بتحليل الصوفية السودانية والممارسات والمعتقدات الشعبية والحركات الدينية الخاصة بالسياق السوداني.
يُبرز حيدر إبراهيم علي أن دخول الإسلام إلى السودان تم في مرحلة أولى عبر المهاجرين العرب، خصوصاَ التجار، في سياق تراكمي سبق قيام السلطنات الإسلامية، ما أتاح للدين الجديد أن ينتشر من خلال الاحتكاك اليومي والتداخل الاجتماعي لا عبر سلطة قاهرة. وقد أفضى هذا المسار إلى تشكل صيغة مميزة عُرفت لاحقاَ بـ”الإسلام الشعبي”، حيث اندمجت عناصر من الموروثات المحلية – الفرعونية والمسيحية وبعض البنى الوثنية – داخل إطار التدين الجديد دون صدام جذري مع البيئة الثقافية القائمة. وكان التدين في هذه المرحلة عملياَ ونفعياَ، يتجه إلى تيسير العيش والتكيف مع محيط مادي وبشري معقد، وهو ما مهّد لرسوخ الصوفية بوصفها حاضنة هذا النمط؛ فالصوفي – عند حيدر – لم تُقَس منزلته بعمق الجدل الفقهي أو الفلسفي، وإنما بقدرته على حل المشكلات اليومية وإدارة شؤون الجماعة، الأمر الذي منح الأولوية للخبرة العملية على التنظير، ورسّخ نزعة غيبية حدّت من حضور العقلانية والاجتهاد النقدي في التعامل مع الواقع.

تغييرات المشهد الديني في السودان:
تميّز التدين في السودان تاريخياً بطابع وسطي متسامح، تشكّل عبر مسار فريد لدخول الإسلام إلى البلاد؛ إذ لم يكن انتشاراً قسرياً بحد السيف كما حدث في تجارب تاريخية أخرى، بل تم عبر التفاعل التجاري والهجرات والدعوة السلمية والتصوف في مراحله الأولى التي رسّخت قيم الزهد والتعايش والانفتاح. كما أن المجتمع سبق الدولة في التحول من المسيحية إلى الإسلام، فصار الدين ممارسة اجتماعية متجذرة قبل أن يكون أداة سلطة. وقد أفرز هذا الإرث منظومة أخلاقية انعكس أثرها في السلوك العام وفي قدرة المجتمع على استيعاب التعدد المِلّي والثقافي. غير أن العقود الأربعة الأخيرة شهدت تحولات حادة في المشهد الديني، اتسمت باستقطاب واضح بين الغلو والتكفير من جهة، والتمرد والإلحاد من جهة أخرى، بما يعكس اختلالاً عميقاً في البنية الفكرية والاجتماعية التي كانت تضبط المجال الديني.
برزت ظاهرة الغلو عبر تيارات سلفية وحركية تغذت على مناهج تعليمية منغلقة وروافد فكرية ومالية خارجية، فدخلت في صدام مع الوسطية السودانية وانكفأت على خطاب إقصائي متشدد. كما تسربت أطروحات الحاكمية والتكفير المتأثرة بكتابات سيد قطب والمودودي إلى بعض المجموعات الشبابية، خصوصاً في سياق التعبئة الأيديولوجية خلال سنوات الانقاذ، فنتج عن ذلك خطاب يكفّر المجتمع ويستبيح العنف، وظهرت تمظهراته في أحداث متفرقة، فضلًا عن حالات الانضمام إلى تنظيم القاعدة وداعش. وفي المقابل، تمددت ظاهرة الإلحاد من هامش محدود إلى حالة أكثر حضوراً، مدفوعة بخيبة أمل أخلاقية وفكرية لدى بعض الشباب الذين ربطوا بين ممارسات السلطة باسم الدين وصورة الإسلام ذاته، إضافة إلى انكشاف تناقضات داخل النخب الحاكمة نفسها، ما عمّق فجوة الثقة بين الخطاب والممارسة.
تعود جذور هذا التحول إلى تضافر عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وبيئية. فقد أسهم الاضطراب السياسي في عهد مايو، ثم التحول الأعمق في عهد الإنقاذ بمشروع إعادة صياغة المجتمع، في تسييس الدين وتوظيفه أداة للهيمنة والإقصاء، مع إضعاف متعمد للتيارات الوسطية والطرق الصوفية وفتح المجال لتيارات وافدة. اقتصادياً، أدت سياسات التمكين إلى تفكيك الرأسمالية الوطنية وصعود طبقة طفيلية، ما أضعف البنية الاجتماعية التقليدية الداعمة للاستقرار القيمي. كما أحدثت موجات الجفاف والهجرة الداخلية والخارجية تحولات ديمغرافية وثقافية عميقة، بينما أسهمت سياسات التعليم من تغيير السلم والمناهج، وإلغاء مجانية التعليم، وتجفيف الداخليات في إحداث فجوة معرفية وأخلاقية وتكريس الاستقطاب الطبقي. وهكذا تداخلت هذه العوامل لتنتج أزمة هوية ومعنى انعكست في تشظي المجال الديني بين تطرف رافض للمجتمع وتمرد رافض للدين، بعد أن كان التدين السوداني تاريخيًاً عامل تماسك واتزان.
أحدث الإسلام السياسي تغييرات كبيرة في المشهد الديني في السودان، لأنه ينطلق من تصور يقوم على فكرة الخلافة ويُضعف شرعية الدولة القُطرية والمواطنة المتساوية، وينطلق من مفاهيم الحاكمية والجاهلية التي شكلت بيئة فكرية للتطرف والارهاب. وفي ذات الاتجاه، شكّل بيئة لاستغلال الدين في السياسة ولم يقتصر أثرها على مشروعه الحضاري، بل امتد إلى الكيانات الدينية والبيوتات التقليدية، حيث أُعيد توجيه بعض وظائفها من الإرشاد الروحي إلى الاصطفاف السياسي، مما أوجد داخلها حالة من التوتر بين الإرث الديني التقليدي ومتطلبات المشروع الحركي. وبهذا المعنى، زرع هذا المنهج قدراً من عدم اليقين داخل الجماعات الدينية نفسها، إذ باتت تتأرجح بين الولاء لمرجعيتها الروحية التاريخية والانخراط في سرديات أيديولوجية، الأمر الذي أضعف تماسكها وأربك علاقتها بالدولة والمجتمع وأدى إلى انقساماتها، باعتبار أن المعركة في جوهرها صراع حول حدود العلاقة بين الدين والدولة في عالم يتسم بتصاعد عدم اليقين.

العلاقة بين السلطة والكيانات الدينية:
إن العلاقة بين السلطة والكيانات الدينية علاقة تاريخية متبادلة وجدلية في الوقت نفسه، تقوم غالباً على التوظيف السياسي للدين أكثر من كونها علاقة استقلال؛ إذ سعت السلطة عبر العصور إلى ضبط الكيانات الدينية لتدعيم شرعيتها واستقرارها، بينما اعتمدت الكيانات الدينية بدورها على حماية السلطة ونفوذها. وكان صاحب “الطبقات” كلما يتحدث عن أحد الشيوخ يذكر كرمه وبعده عن الدنيا وعن السلطان، وقد استنكر الشيخ فرح ود تكتوك موقف القيادات الدينية في التردد على أبواب الحكام في قصيدة طويلة مطلعها:
يا واقفًا عند أبواب السلاطين إرفق بنفسك من همٍ وتحزين
معلوم أن الدين في المجتمعات الإسلامية لا يظهر بوصفه مجرد منظومة اعتقادية، وإنما يتجسد عملياً عبر مؤسسات وقيادات دينية ترتبط بدرجات مختلفة بالسلطة السياسية. وقد ظلت الطبقة الفقهية تاريخياً قريبة من الحكم، تمارس أدواراً في الفتوى والقضاء وتنظيم الحياة الدينية، وهو ما جعل المجموعات الدينية جزءاً من آليات تنظيم المجتمع وإعادة إنتاج النظام السياسي. وفي هذا الإطار يصبح الدين مجالاً للتأويل، حيث تستخدمه السلطة لتدعيم شرعيتها، بينما تستمد الجماعات الدينية مكانتها من اعتراف الدولة.
في السودان يمكن فهم العلاقة باعتبارها علاقة تاريخية مركبة، حيث لم يتطور المجال الديني بصورة مستقلة عن المجال السياسي. فقد اعتمدت السلطات المتعاقبة على الرمزية الدينية لبناء الشرعية السياسية وتعبئة المجتمع، بينما سعت القوى الدينية إلى التأثير في الدولة أو المشاركة فيها. ونتيجة لذلك تشكّل نمط من التدين يرتبط بالبنى الاجتماعية التقليدية وبالصراعات السياسية الحديثة في آن واحد، بحيث أصبح الدين أداة للتعبئة السياسية بقدر ما هو منظومة قيمية وأخلاقية، وهو ما يعكس ظاهرة تسييس الدين التي عرفتها معظم المجتمعات الإسلامية الحديثة.
تُظهر القراءة التاريخية لتطور البنية الدينية في السودان أن أنماط التدين السابقة للإسلام – سواء في المعتقدات المحلية ذات الطابع الروحي القائم على الوساطة الفردية، أو في المسيحية التي كرّست مكانة رمزية لرجال الدين والملوك ذوي الشرعية المقدسة – قد أسست مبكراً لنموذج يربط الإيمان بشخصية محورية تُجسّد السلطة الروحية وتحتكر تفسير المقدس. ومع دخول الإسلام وتبلور الطرق الصوفية، أُعيد إنتاج هذا النموذج في صورة الشيخ أو الولي الذي تتجسد فيه البركة والقيادة، فتكرّس عبر الأجيال تصور أبوي للعلاقة الدينية يقوم على الطاعة والولاء الشخصي والتوارث الرمزي. وهكذا ترسّبت في الوعي الجمعي السوداني بنية تدين تميل إلى تمركز القداسة في الفرد، وتُعيد إنتاج الأبوية الدينية بوصفها نسقاً اجتماعياً ينظم علاقات الطاعة والشرعية في المجال الروحي وفي أنماط القيادة الأسرية والسياسية والاجتماعية، بما يجعل الدين أحد أهم الحوامل الثقافية لاستمرار هذا النسق عبر التاريخ.
وانسجاماً مع ذلك، فإن أي نقد معرفي يصدر من داخل الكيانات الدينية ذات البنية الأبوية المغلقة يظل أمراً نادر الحدوث؛ إذ إن طبيعتها التنظيمية والرمزية تقوم على حماية مركز القداسة وصيانة السردية المؤسسة من التفكيك. فهذه الكيانات، بحكم تشكلها حول شخصية مرجعية تُحتكر عبرها الحقيقة الدينية، تميل إلى اعتبار المراجعة النقدية تهديداً وجودياً، لأن الاعتراف بالخلل البنيوي أو التاريخي يُفضي – في تصورها – إلى زعزعة شرعيتها، ومن ثم تقويض الأساس الرمزي الذي تستند إليه إمتيازاتها. وهكذا يتحول النقد من أداة إصلاح إلى خطر يُستبعد سلفاً، وتُستبدل به آليات التبرير وإعادة إنتاج الخطاب، بما يعمّق الانغلاق ويؤجل إمكان التحول المعرفي من الداخل.
وإذا كان الإطار المغلق هو العدسة الوحيدة التي ترى من خلالها تلك الكيانات ذاتها والعالم، فإن انحباس الرؤية داخل منطقه الخاص يجعلها عاجزة عن إدراك شروط تخلف الواقع الذي تتحرك فيه، كما هو الحال في السودان، حيث تتشابك البنية الأبوية الدينية مع الهشاشة الاجتماعية والسياسية. وتتعمق المفارقة حين يتبدى أن الانسداد الذي يحكم مسار الجماعات الدينية في علاقتها الجدلية مع السلطة هو انسداد نسقي يتغذى من ممارسات السلطة ذاتها ومن قابلية هذه الكيانات للاستثمار السلطوي، فتدخل في دائرة تبادلية تعيد إنتاج الهيمنة وتقوي البنية الأبوية. وهكذا تترسخ الحلقة المغلقة بين سلطة تدعي الوصاية وكيانات تستمد بقاءها من قربها إليها ومجتمع يعيد إنتاج شروط تبعيته، فيغدو أي تسامح مع رؤاها مشروطاً بوعي نقدي يميز بين الإيمان كقيمة روحية، والمؤسسة كنسق تاريخي قابل للفحص والمساءلة.
يبرز الإمام الصادق المهدي كاستثناء فارق لهذه القاعدة؛ إذ لم يكتفِ بالبقاء داخل أطر التراث، بل اتخذ من المراجعة النقدية منهجاً للخروج من نسق التوريث. لقد تجرأ على تفكيك السردية المهدوية وإعادة قراءتها في ضوء معطيات العصر، محولاً كيان الأنصار من بنية تقليدية إلى مؤسسة حداثوية. وقد ارتكز هذا التجديد على منهجية مقاصدية تُغلّب روح الشريعة وأهدافها الكلية على التفسيرات التاريخية الجامدة، مما مكّنه من مد جسر تواصل بين الأصل والعصر، وهو ما يعد تجربة استثنائية في محاولات الإصلاح الديني من داخل الحاضنة الشعبية والرمزية ذاتها.
على النقيض من هذا المشروع التجديدي، شهد بيت المهدي محاولات ارتدادية سعت للعودة إلى النسق القديم، متجاوزة بذلك ما خطه الإمام الصادق المهدي من رؤى جديدة. وقد وقع أصحاب هذا التوجه في فخ إغراءات السلطة المباشرة، محولين الإرث الرمزي للكيان إلى مطية لشرعنة الشمولية. وبدلاً من الحفاظ على استقلالية الكيان ونزاهته المعرفية، انتهى بهم المطاف إلى ربائب للأنظمة السلطوية، واضطلعوا بدور سدنة للنزعات التسلطية، وهو ما يعكس التكلفة الباهظة للتخلي عن المراجعات النقدية والانزلاق نحو المصلحة الضيقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.