يعيشُ السودانُ اليوم «لحظةً غرامشية» بامتياز؛ يسقطُ فيها قديمٌ مُختطَف، ويُدفَعُ فيها جديدٌ مُدَّخرٌ للولادة.
بيدَ أن هذا المخاضَ ليس صدفةً، بل هو ثمرةُ «تصاريفَ قدرية» ترتادُ الفضاءَ كالطيور، بلا خرائطَ ولا جوازاتِ سفر، لتضعَ بصمتَها حيث لا تملكُ القوى الأرضيةُ أمامها ردعًا، ولا تمنعها تأشيراتُ دخول.
من «لجان البشر» إلى «أقدار السماء»:
في عام 2019، ظننا أن معضلةَ التمكينِ المتطاول ستُحلُّ بلجنةٍ محليةٍ أسميناها «لجنة التفكيك»، لكن القدرَ كان يُخبِّئ للسودانيين تدبيرًا أعظم.
فبينما كانت اللجنةُ تحاربُ في الداخل، سَخَّرت العنايةُ وزارةَ الخزانةِ الأمريكية، وأخيرًا منصاتِ القضاء في لوس أنجلوس، لتعملا كمِشرطٍ دولي.
إن طيورَ القدر التي لا تعترفُ بحدودِ سيادةٍ موهومةٍ للمُختطِف، بدأت في نبشِ سجلاتٍ رقميةٍ لا تكذب، تُحوِّل «الملاحقةَ المالية» إلى شهادةٍ ماديةٍ على انتهاء زمن التمكين؛ لتتهاوى حصونُه حين يصطدمُ مالُه الحرامُ بصخرةِ الحقيقة التي لا تُجامِل.
حتمية «أرض الصدق»:
يتجلّى الحفظُ الإلهيُّ للسودان وأهله في هبةِ «الاتعاظِ بالغير»؛ فبينما تمزَّقت شعوبُ المنطقة في حروبِ «استيطانٍ طائفي» من لبنان إلى العراق واليمن، سُخِّر للسودانيين وعيٌ فطريٌّ يُدركون به أن «المُختطِف» جسمٌ غريبٌ يسهل لفظُه.
هذا الوعي هو ما سيجعلُ المصيبةَ «تهون» في ميزان الأقدار الكبرى، تمهيدًا لاسترداد «أرض الصدق» — وفق الوصف النبوي — عافيتَها، بعد أن انقشعت، أو كادت، غلالةُ التغبيش عن عيونِ شعبٍ يرفض أن يكون رهينةً لمشاريع الدمار والخراب وسفك الدماء، مستشعرًا أن رياحَ التغيير تهبُّ من عالم الملكوت لتطهير عالم المادة من أدرانه.
التطهير بالكي:
تتحقّق اليوم نبوءةُ الأستاذ محمود محمد طه بأن «فتنتهم ستنتهي بينهم»، عبر انقسام «الطبقة الإخوانية».
فنحن نرى اليوم هروبَ الأموال والرموز، وبحثَ «الانتهازيين» عن صفقاتِ خروجٍ آمنةٍ بعيدًا عن «الراديكالية الانتحارية».
وهذا الانهيارُ البنيوي، الذي طال حتى المؤسسةَ العسكريةَ المُختطَفة إخوانيًّا، ليس سوى مرحلةِ «التطهير بالكي»، وهي مرحلةٌ ضروريةٌ لاستعادةِ قوميةِ الدولة، ولتحرير «كوش» من قيدِ التبعية للمحاور المشبوهة؛ لتتساقطَ أحجارُ الدومينو في تسلسلٍ كونيٍّ لا يملك أحدٌ إيقافَه.
اللحظة الكيميائية:
إن لحظةَ القدر الراهنة هي «لحظةٌ كيميائية» فريدة، تنتخبُ «ذروةَ سنام» من يقودها عبر عمليةِ تقطيرٍ قاسيةٍ في مختبر الأزمات الوجودية.
لقد آن أوانُ هذه اللحظة، وبدأت «ذرّاتُ الوعي الجمعي» في التكاثف لتُشكِّل سحائبَها الماطرة؛ مطرٌ سيغسل أدرانَ الزيف ويُطهِّر التربةَ لبذرِ عقدٍ اجتماعيٍّ جديد.
إنها قيادةٌ لا تأتي بقرار، بل تفرضها «كيمياءُ التاريخ» وضرورةُ البقاء في أرضٍ لا تقبل إلا الصدق.
رمزية الصعود إلى جبل صهيون:
إن ما يحدث في السودان اليوم هو سمفونيةٌ قدريةٌ تعزفها آلاتٌ مادية؛ فكلُّ دولارٍ يُجمَّد في لوس أنجلوس، وكلُّ اعترافٍ يخرج من لسانِ عسكريٍّ مُختطَف، وكلُّ سحابةِ وعيٍ تتشكّل في سماءِ الوطن، هي خطواتٌ مرسومةٌ نحو النهاية المحتومة للاختطاف.
لقد انتهى، في الحقيقة، زمنُ الزيف، واستعدّت «كوش» لتمسحَ غبارَ المعارك عن وجهها، لتصعدَ بما تحمل، لا ادّعاءً ولا استعلاءً، بل قَدَرًا ومعنى؛ كما في بشارة سفر إشعياء، حيث «تُقدَّم هديةٌ للرب… إلى موضع اسمه، جبل صهيون».
هناك، حيث السيادةُ للحق، والولايةُ للصدق، يعودُ السودان وطنًا نهائيًّا يسع الجميع، في تجلٍّ تاريخيٍّ يعيدُ صياغةَ فجرِ المنطقة بأسرها من قلب «أرض الصدق» التي لن تخيب أبدًا… وبالطبع، ما خفي من شأنها سيكون حتمًا أعظم، لطالما أن هذه الحرب قد باتت علي وشك أن تضع أوزارها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.