يعيش العالم والمحيط الإقليمي ومنذ يوم السبت 28 فبراير الماضي تداعيات الحرب الثانية على إيران الثانية عقب الحرب الأولى التي اندلعت خلال الفترة من 13-24 يونيو 2025م حيث أحدثت هذه الحروب حالة تباين، ازداد تعقيدا في ظل واقعنا السوداني جراء حالة الاستقطاب الداخلي الناتجة عن ظروف حرب أبريل 2023م والاصطفاف المرتبطة بها ولذلك لم تدهشني مطلقاً حالة التماثل بين بعض الأطراف المتنافرة المتناقضة وما أنتجه من تطابق (اسلامو يساري سوداني) لم يكن وليد هذه اللحظة أو نتيجة الحرب ولكنه تماثل حد التطابق تنامي وتزايد في السودان خلال المرحلة الانتقالية ومقاومة إنقلاب أكتوبر 2021م ليبلغ مداه بعد حرب أبريل 2023م.
منذ اندلاع الحرب الثانية على إيران صباح السبت 28 فبراير 2026م شاهدنا في هذا الإطار المتطابق محاولات تضامن ومساندة لنظام الملالي الإيراني بالسودان بمنطقين مختلفين في الأسس متفق في الجوهر جعل نظام الملالي الايراني يمثل “مقاومة” يلبسها أحدها رداء “المقاومة الاسلامية الجهادية” ويجعلها الثاني تدثر بـ”مقاومة الامبريالية والرأسمالية والأمريكان” واكتمل المشهد واختلط برفع السبابة بالتكبير والتهليل التي يستخدمها “الإخوان” المرفوعة بالسبابة والوسطى لمنسوبي “اليسار” الذي إختار التطابق والتماهي معهم هاتفاً “عاش نضال الشعوب وكفاح الطبقة العاملة” !!
يخلط الموقفين عن عمد حقائق ووقائع داخلية في الشأن الإيراني وإقليمية ودولية، فنظام الملالي القائم “المستحوذ قسراً على ثورة الشعب الايراني” التي انتصرت بمشاركة واسعة من القطاعات والتيارات الفكرية والسياسية في ذلك رجال الدين، بعد نحرها على أيدي الملالي الذين استبدلوا “قمع واستبداد الشاه” بنظام أكثر دموية وشيدوا حكمهم بدماء وجماجم رفاقهم في الثورة بداية من المجموعات المشكلة لقوى الثورة، كحزب توده “الشيوعي” الذي يعد أحد أبرز القوى السياسية المشاركة في الثورة التي أسقطت الشاه ومجموعات أخرى مجاهدي خلق و”منظمة العمال الثوريين” و”الجبهة الوطنية الديمقراطية” التي اعترضت كلها على التوجه الثيوقراطي المناهض والمخالف لقيم الثورة الشعبية المطالبة بالحريات والحكم الديمقراطي.
وجد كثير ممن أسهموا في انتصار الثورة الشعبية وإسقاط نظام الشاه أنفسهم في أحسن الحالات في المنافي بعد نجاتهم من النهاية الفاجعة لكثير من رفاقهم الذين انتهوا لقتلي عقب معارضتهم للتوجه الثيوقراطي للملالي الذي حمل مسمى “الجمهورية الإسلامية” أبرزهم أول رئيس للبلاد بعد اسقاط الشاه أبوالحسن بني صدر، وحملت المشانق أجساد آخرين تم قتلهم والتخلص منهم أبرزهم وزير الخارجية صادق قطب زادة الذي وصل طهران بعد انتصار الثورة من العاصمة الفرنسية باريس برفقة الخميني حيث باشر مهام الترجمة للخميني فكانت نهايته مأساوية بإعدامه رمياً بالرصاص في سجن بشمال إيران بعد اتهامه بالخيانة والتأمر.
لم تقتصر الإعدامات على المجموعات السياسية والليبرالية ولكنها شملت حتى رجال دين شاركوا في الثورة واسقاط نظام الشاه بسبب معارضتهم لتوجهات الملالي أبرزهم رجل الدين عبد الراضي حجازي الذي تم إعدامه في العام 1983م، في ما أشارت تقديرات لإعدام حوالي 3800 من نشطاء الثورة في احد السجون الايرانية في العام 1988م حيث ظلت سياسات الإعدامات مستمرة ومنهج متبع تجاه الناشطين والتحركات الشعبية بشكل قمعي دموي والتي كان آخرها خلال الفترة من أواخر ديسمبر 2025م وحتى أواخر يناير الماضي حيث قدر عدد الذين قتلوا في تلك التظاهرات والذين يقدر عددهم بين 10 ألف إلى 40 ألف متظاهر.
يعد وجه الخلل الأساسي لهذا التيار (الاسلامو يساري) بالسودان -وربما لحالات قد تبدو مشابهة دوافع وعوامل مختلفة بالمنطقة- هو محاولة تأسيس موقفهم من الحرب ضد إيران باعتباره “يمثل عدوان يخالف المواثيق الدولية وتعدى على دولة ذات سيادة” وهذا يغفل حقائق أساسية بأن هذا التفسير يصح استخدامه على أي دولة أخرى خلاف “دولة ملالي طهران”، فهي لا تلتزم بالمواثيق الدولية القائمة على احترام شؤون الدول الأخرى وعدم التدخل فيها أو زعزعة استقرارها، ولكنها على عكس ذلك يتجاوز نطاق شرورها محيطها الداخلي ويعبر حدودها عبر رعاية الإرهاب وزعزعة استقرار الإقليم إما عبر أذرعها التابعة لها في الدول المختلفة أو انخراطها المباشر في الصراعات الداخلية لعدة دول بالاقليم، والتي كانت حصيلته تخريب البلاد وتدميرها وتشريد الملايين من العباد كسوريا واليمن وجنوب لبنان دوافع أيديولوجية ذاتية خاصة بنظام الملالي تضع مصالح تلك الشعوب وأمنها واستقرارها وحريتها “في آخر الأولويات”، ولذلك فتلك الشعوب لن تنسى مطلقاً تلك الجرائم سواء تم تزينها زوراً باعتبارها “مقاومة جهادية” أو “ثورية ضد الامبريالية”.
تؤكد الحرب المندلعة منذ 28 فبراير الماضي وتعزز وترسخ “عدوانية طهران الملالي” حيث لم تقتصر هجماتها على دول اعتبرتها تتضمن قواعد أمريكية منخرطة في الهجوم عليها وإنما طالت دول سعت لمنع شن الحرب عليها واحتفظت بعلاقات إيجابية، وحتى سلطنة عمان التي قادت المفاوضات غير المباشرة بينها والولايات المتحدة الامريكية مؤخراً نالها من العدوان نصيب وطال عدوانها حتى لقبرص !!
دعونا نترك كل ما ذكر من ممارسات نظام ملالي طهران على الصعيدين الداخلي أو الاقليمي لنتأمل صنعهم في واقعنا السوداني خاصة بعد تدخلاتها المباشرة وأثرها على السودانيين منذ مساندتهم ودعمهم ورعايتهم لانقلاب 30 يونيو 1989م بتدريب العناصر الأمنية الحزبية للجبهة الإسلامية القومية والذين تولوا خلال العام الأول قيادة جهاز الأمن وتمليكها أساليب وممارسات التعذيب سيئة الصيت المستخدمة في ما عرف بإسم “بيوت الأشباح”، ونقلهم وتطويرهم تكتيكات الحرب وأساليبها لاستهداف الالاف المواطنين في مناطق الحرب كتطوير استخدام “البراميل قنابل متفجرة” واضافة مشتقات وتركيبات ذات طبيعة كيميائية تم استخدامها في جبال النوبة ودارفور إبان سنوات النظام السابق ويقدر ضحايا هذه الممارسات بالآلاف السودانيين.
استخدم نظام الملالي الأراضي السودانية منطقة عبور أنشطته الارهابية بما في ذلك تصنيع وتهريب السلاح لصالح حلفائها الإقليميين ومركز لعملياته الإرهابية وهو ما قاد السودان لدائرة العقوبات الامريكية بسبب جزء من تلك الانشطة، ووضع السودان مستقبلاً ضمن دائرة الاستهداف الاسرائيلي المباشر بسبب تلك المغامرات الارهابية بشن هجمات على قوافل الاسلحة المهربة والاشخاص المسؤولين عنها واستهداف مصنع اليرموك بالعاصمة الخرطوم.
لاحقاً بعد حرب أبريل 2023م تسببت الممارسات غير المسؤولة لقائد الجيش وعصبته من الحزب المحلول والحركة الإسلامية بعد إعادة العلاقات المقطوعة مع طهران في اكتوبر 2023م لاستئناف التعاون المشترك بين السلطتين وكانت أبرز نتائجه وفق المعلومات التي نشرت عبر تحليلات ومنصات إعلامية قدرت أن الهجوم الذي استهدف أجزاء من أمدرمان ومدينة بورتسودان هي هجمات إسرائيلية مباشرة ضد قواعد وأنشطة عسكرية إيرانية.
أسهم نظام الملالي بطهران وعبر شركائها الاقليمين خاصة شبكات النظام السوري السابق المدحور الذي قاده أل الأسد وحزب الله اللبناني بالتعاون مع جهات نافذة في النظام السابق في استيراد وتسويق أنواع متعددة من المواد المخدرة ينتجها حلفاء نظام طهران وتوزيعها في السودان. كانت عمليات الشحن والتفريغ والتوزيع تتم تحت إشراف ورعاية جهات أمنية وحزبية وعسكرية كشفت صراعات بين أجنحة سلطة الحزب المحلول بعض تفاصيلها عند وصولها للمحاكم اتهم فيها مسؤولين عسكريين بارزين بالانخراط فيها والذين لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى واجهات لجهات نافذة في النظام السوداني السابق الذي أسقطته وهزمته ثورة ديسمبر المجيدة.
استفاد نظام الملالي ووجهاته من التسويق و مراكمة الارباح، أما الحزب المحلول والجهات المنخرطة في هذه التجارة الإجرامية فقد حققت بجانب المكاسب المالية التي وظفت لأنشطة غير مشروعة عابرة للحدود في تحطيم وتدمير الشباب السوداني بقصد صرفه الكامل عن التفاعل مع القضايا العامة، وفر خلالها الحزب المحلول وسلطته الغطاء والتأمين لأنشطته ومسارات تهريب شحنات وشبكاته بإحباط محاولة تتبع للشرطة الدولية (الانتربول) لشحنات مصدرة من لبنان بقطع الطريق عليها من خلال إعلان ضبطها في ميناء بورتسودان رغم المعلومات المتبادلة مع السلطات السودانية لتمريرها ومتابعتها للوصول للوجهة النهائية وتكرار هذا الأمر لأكثر من مرة وهو ما يؤكد وجود صلة مباشرة بين نظام ملالي طهران ووكلائه بالمنطقة من جهة والنظام المقبور بواسطة ثورة ديسمبر في هذه التجارة الاجرامية.
نقل نظام الملالي بطهران لانقلاب يونيو 1989م تصورات وتجربة الهياكل الموازية لمؤسسات الدولة خاصة في الجانب العسكري بإنشاء مؤسسات عسكرية موازية كالدفاع الشعبي الذي صمم كنواة مماثلة للحرس الثوري الإيراني بإشراف مدبر انقلاب اكتوبر 2021م ومشعل حرب أبريل 2023م المنسق العام لتلك القوات على أحمد الكرتي، مع تطبيق نماذج وتجارب أخرى كالشرطة الشعبية أو الأمن الشعبي ولاحقاً الميليشيات المتناسلة وابرزها قوات الدعم السريع التي اتبعت بشكل مستقل لرئيس الجمهورية في أحدث تطبيق لتجربة “الحرس الثوري” التابع للمرشد الأعلى وخارج سيطرة الجيش الرسمي.
أما على المستوى الإقليمي والدولي فإن النظام الذي هزمه شعبنا عبر ثورة ديسمبر تشارك مع نظام الملالي في نسج الخيوط الأولى لأذرع إقليمية تولي رعايتها والصرف عليها واستخدامها فى زعزعة استقرار الدول المختلفة على ذات منوال تجربة ملالي طهران بالمنطقة، ودفع فاتورة هذه الممارسة كل دول جوار السودان وتمت خلالها جرائم مروعة ووصمة عار في حق السودان أبرزها محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك (يونيو 1995م) وتدمير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا (أغسطس 1998م) بجانب الانتهاكات المروعة التي شهدتها جمهورية أفريقيا الوسطى التي تورطت فيها مليشيا أشرف على تكوينها ورعايتها وتسليحها النظام المدحور تحالف “سيليكا” الإسلامي على العاصمة بانغي عام 2013، وما أعقب ذلك من رد فعل عنيف قادته مليشيا “أنتي بالاكا” المسيحية وما نتج عنها من مجازر وتجاوزات على أساس ديني.
هنا يطرح سؤال أساسي وجوهري:”لماذا أتمني وأطمح كسوداني لمشاهدة زوال نظام الملالي بطهران أو إضعافه للحد الذي يجعله عاجزا بشكل كامل عن إلحاق الأذى بمحيطه الإقليمي بما في ذلك السودان اليوم قبل الغد ؟!” … الاجابة بشكل مختصر بخلاف ما ذكر سابقاً من “آثار صناعة هذا النظام وتداعياتها التدميرية لبلادنا بسبب نقله وتعليم تجاربه القمعية والارهابية وبذرها ورعايتها في تربتنا السودانية لاعادة استنساخ تجربتها وتصديرها لبلاد ملتقي النيلين”، فإن وجود واستمرار هذا النظام الارهابي ذو السجل الإجرامي المعلوم يمثل مهدداً مباشراً لاستقرار بلادنا بدعمها ومساندتها لمجموعات ارهابية إجرامية هدفها إعاقة الانتقال المدني الديمقراطي وتصر على جعل السودان دائراً في فلك الإرهاب ومحطيه “لقد حدث هذا في الماضي وانقطع قبل أن تعاد العلاقات معها من قبل سلطة بورتسودان وتظهر نتائجه بشكل واضح للعيان في الحرب الحالية منذ أكتوبر 2023م وحتى تاريخه”.
أما السبب الثاني فإن “استهداف اصدقاء وحلفاء السودان وشعبه في المنطقة دون مبرر ظلماً وعدواناً يجعلنا فعلياً لسنا مناصرين لهؤلاء الاصدقاء والحلفاء وإنما شركاء معهم في هذه المعركة والمواجهة والتصدي لهذا العدوان الذي نعلم أثره فأثار سموم نظام ملالي طهران لا تزال ماثلة وحاضرة في ماضي وحاضر وطننا، وفرص التعافي الكامل منها يزداد عند إسدال الستار على نظام الملالي بطهران وسقوطه أو جعله غير قادر على إيذاء الآخرين مرة أخرى”.
ختاماً يسعى المنخرطين المتحلقين في حالة التماثل والتطابق (الاسلمو يساري) بالسودان على وجه الخصوص لإخفاء هذه الحقائق ولو كان بالطرق القسرية حتى نغمض أعيننا ونغلق افواهنا فلا نذكرها مطلقاً تارة برفع هتافات”المقاومة ومناهضة الإسرائيليين ومناصرة الفلسطينين” أو بالترهيب بإطلاق صرخات “التخوين والعمالة”، ولكن عليهم أن يعلموا أننا عوضاً عن ذلك سنستمر في إظهار عورات منطقهم المعوج المقلوب المخالف للحقائق والوقائع والمزيف للتاريخ.
FILE - In this March 31, 2020, file photo, Iran's national flag waves as Milad telecommunications tower and buildings are seen in Tehran, Iran. A British-Australian academic serving a 10-year sentence for espionage in Iran has been moved to a notorious prison where concerns for her well-being have escalated, the Australian government confirmed Wednesday. (AP Photo/Vahid Salemi, File)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.