الكيانات الدينية والحرب:
تتوزع التيارات الدينية إزاء الحرب على ثلاثة أنماط تعكس ارتباكاً أعمق في تعريف الموقف الشرعي والسياسي؛ فثمة تيارات دينية وبيوتات صوفية ومؤسسات دعوية تميل إلى الاصطفاف مع الجيش انطلاقاً من تصور الدولة المركزية وضرورة حفظ ما تبقى من بنيتها، وهو موقف يختلط فيه الديني بحسابات البقاء المؤسسي. وفي المقابل، توجد جماعات دعوية وشخصيات دينية تصطف مع الدعم السريع كقوة تبنّت خطاباً نقدياً حاداً تجاه المؤسسة العسكرية والإسلامويين، بما أفضى إلى تبرير سرديته. أما الفئة الثالثة فتضم قطاعاً معتبراً من العلماء والدعاة والكيانات الدينية التي اختارت موقفاً رافضاً للحرب من حيث المبدأ، وداعية إلى وقف القتال وتجنيب المجتمع مزيداً من الانقسام.
منذ البداية، انزلقت الحركة الإسلامية وواجهاتها في الحرب، واصطفت خلف الجيش، حيث اعتبرت الحرب معركة وجودية لحماية التيار الإسلامي العريض. وكان انخراطهم بكتائبهم القديمة في ميادين القتال، وكذلك في الفعل السياسي وبناء سردية “حرب الكرامة” ضد مشروع يستهدف القيم الدينية للبلاد، مما وفر للحرب غطاءً معنوياً وحشداً تعبوياً عبر استدعاء مفاهيم الجهاد والاستنفار لشرعنة القتال. ولم يكن هذا الاصطفاف انحيازاً للدولة بقدر ما كان تعبيراً عن براغماتية أيديولوجية تسعى لاستعادة التمكين السياسي الذي فُقد بعد ثورة ديسمبر، مراهنة على أن الانتصار العسكري هو البوابة الوحيدة لإعادة صياغة المشهد السوداني وفق رؤيتها الشمولية، مما جعل خطابها الديني يتماهى كلياً مع الفعل العسكري.
بينما وقفت كيانات دينية كـ”هيئة شؤون الأنصار” وبعض الطرق الصوفية في الحياد الإيجابي منذ البداية، حيث صاغت خطاباً يرى في الطرفين أدوات لهدم الدولة والنسيج الاجتماعي. وقد تجاوزت هذه الكيانات المعتدلة فخ التجييش الأيديولوجي، فرفضت مباركة السلاح من أي جهة كانت، واستعاضت عن الفتاوى التحريضية بالممارسة القيمية عبر تحويل جهودها إلى منصات إغاثة طبية وغذائية (تكايا) تخدم ضحايا الطرفين دون تمييز؛ وبذلك نجحت في تجريد الحرب من غطائها الأخلاقي، مقدمة نموذجاً دينياً ووطنياً يرى في حرمة الدم وتماسك المجتمع ووحدة الوطن غاية أسمى من الولاءات العسكرية، لتصبح حائط صد ضد تحويل النزاع السياسي إلى حرب أهلية أو دينية شاملة.
موقف التيار السلفي من الحرب يعكس تباين المدارس داخل هذا التيار؛ فبينما انحازت مجموعات ودعاة نحو التجييش والتحذير من الخروج على الدولة ومنح الصراع صبغة عقدية، رفضت مجموعة أخرى الحرب معتبرة إياها فتنة يجب اعتزالها لحقن دماء المسلمين وأنها تخدم أجندة استعادة نفوذ النظام البائد. إن التيار السلفي بمختلف أطيافه واجه مأزقاً أخلاقياً وتاريخياً في خطابه الذي يتأرجح بين النص الشرعي والاصطفاف السياسي؛ وبذلك ظل الموقف السلفي في مجمله يفتقر إلى الرؤية الجامعة التي تتجاوز الهوية الضيقة.
تجسد موقف الطوائف المسيحية في خطاب السلام والمصالحة الذي يرى في الحرب خطيئة بحق الإنسان والوطن، متجاوزًا الانقسام نحو رحابة العمل الإنساني؛ فبرغم تعرض الكنائس للاستهداف والنهب والتهجير القسري، فإنها ظلت تفتح أبوابها للمنكوبين، مقدمة نموذجًا فريدًا للتضامن الوجداني. لقد نجحت الكنيسة في صياغة موقف قيمي يرفض الانجرار خلف خطاب الكراهية أو التجييش الهوياتي، مؤكدة أن خلاص السودان يكمن في الحوار والعدالة. وهذا هو الموقف الثابت والمعلن، غير أن هناك بالتأكيد انحيازات لبعض القادة الدينيين بحسب تواجدهم في مناطق السيطرة.
موقف الطرق الصوفية بشكل عام يرفض الحرب وينحاز إلى المسالمة والمواساة والتمسك بدور يتجاوز ضيق السياسة إلى رحابة الإنسانية؛ لكنها تعرضت لضغوط كبيرة من طرفي الحرب، وتم استقطاب بعض المشايخ لشرعنة القتال، فانحاز بعضهم إلى دعم أطراف النزاع. ومع ذلك، اختارت غالبية الطرق الصوفية تحويل الزوايا والتكايا إلى مراكز توفر الطعام والإيواء للمشردين من أتون الحرب. وقد قدم هذا الموقف الصوفي، الذي يرفض العنف ويرى في السلطة ظلًا زائلًا، صمام أمان منع الانهيار الكلي للنسيج الاجتماعي، وأثبت أن التدين الشعبي في السودان قوة ناعمة قادرة على ترميم الانكسارات النفسية والمجتمعية، والمصالحة القاعدية، وبناء سلام يبدأ من القلوب ويمتد ليشمل الجغرافيا الوطنية برمتها.
لعبت الأواصر القبلية والمناطقية دوراً محورياً في هذا الاصطفاف، حيث تماهى الخطاب الديني مع العصبية الجهوية لشرعنة القتال بوصفه نوعاً من دفع الظلم واسترداد الحقوق المسلوبة، مما خلق غطاءً روحياً للعمليات العسكرية. وبذلك تحول الدين من طاقة بناء وطني إلى أداة تبريرية لمشروع عسكري، وهو ما عمّق حالة التشظي في البلاد. وقد أدى تماهي الخطاب الديني مع العصبية القبلية لدى طرفي النزاع إلى تحويل الدين من عامل دمج وصهر اجتماعي إلى محفز للتشظي يهدد مستقبل التعايش بين أبناء الوطن الواحد. واستُخدمت كثير من الفتاوى والرموز الدينية لشرعنة القتال بناء على انحيازات جهوية. إن استدعاء الدين لتبرير الانتهاكات أو لتجريم الطرف الآخر زرع بذور الحقد بين المكونات الاجتماعية، حيث بات يُنظر إلى الآخر كمهدد للوجود والقيم، مما يجعل مهمة الصلح المجتمعي في مرحلة ما بعد الحرب تتجاوز التسويات الأمنية إلى ضرورة إطلاق ثورة تنويرية دينية تفكك خطاب الكراهية وتعيد بناء المجتمع.
الكيانات الدينية واستحقاقات الواجب الوطني:
تكشف التجربة السودانية أن الدين ظل عنصراً مركزياً في تكوين الهوية الوطنية والاجتماعية، ولم يكن شأن فردي معزول عن المجال العام؛ لذلك فإن الدعوة إلى إقصائه الكامل من الحياة العامة وفق تصور علماني تبدو غير منسجمة مع الواقع التاريخي والثقافي للمجتمع. فقد نشأت الدولة السودانية الحديثة في بيئة تشكلت فيها القيم الدينية، وأسهمت في بناء التضامن الاجتماعي وتوجيه الوعي العام. غير أن هذه المكانة لا تعني بالضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا رسمية للدولة، كما حدث في بعض مراحل الحكم، خاصة في عهد الإنقاذ، حيث أدى تسييس الدين إلى إضعافه أخلاقياً وتحويله إلى أداة للصراع السياسي، الأمر الذي أضر بالدين والدولة معاً.
تقوم العلاقة المثلى بين الدولة والكيانات الدينية على مبدأ التكامل دون تبعية، بحيث تكون الدولة مسؤولة عن إدارة الشأن العام وفق القانون والمواطنة، بينما تضطلع الكيانات الدينية بوظائفها التربوية والأخلاقية والاجتماعية دون أن تتحول إلى أدوات سياسية أو أجهزة تابعة للسلطة. وفي هذه الصيغة لا تحتكر الدولة تفسير الدين، ولا تسمح في الوقت نفسه بقيام سلطة دينية فوقها، بل تعترف بالتعدد الديني والاجتهادي وتحميه. وتتيح هذه العلاقة للدين أن يظل مصدراً للقيم والضمير العام، وللدولة أن تبقى إطاراً جامعاً للمواطنين جميعًا، وهو توازن يمكن أن يؤسس لنموذج سوداني خاص يتجاوز ثنائية العلمانية والدولة الدينية، ويجعل من الدين عاملاً للإصلاح الأخلاقي والتماسك الاجتماعي لا وسيلة للهيمنة السياسية.
يبدو أن الخروج من أزمات الاستقطاب الديني والسياسي والحرب المفتوحة يتطلب تحولاً معرفياً أعمق يتمثل في نشوء خطاب إسلامي جديد يستوعب دروس التجارب المريرة الأخيرة، ويعيد تعريف علاقة الدين بالدولة والمجتمع بعيداً عن الاصطفاف السياسي أو التوظيف العسكري. غير أن هذا التحول يحتاج إلى مسار تراكمي قائم على البحث والنقد والمراجعة، تقوده شخصيات دينية وفكرية اكتسبت وعيها من احتكاك مباشر بالواقع ومن قراءة نقدية للتراث وللتجربة السياسية، وتمتلك الجرأة على مساءلة المسلمات دون التفريط في المرجعية القيمية. ومع تبلور هذا الجهد على مدى زمني طويل، يبقى الواجب العاجل هو ترشيد الخطاب الديني ليخفف من حدة الانقسام، ويحد من الانحيازات الحادة، ويعمل على حماية المجتمع من مزيد من التشرذم، في أفق يتجاوز لحظة الحرب نحو إعادة بناء وعي ديني أكثر استقلالية واتساقاً مع متطلبات الدولة الوطنية واستقرارها.
تمثل الكيانات الدينية في الوجدان السوداني بمثابة الرحم الاجتماعي الذي لم يقتصر دوره يوماً على التعبد المجرد، بل تعداه ليكون صمام أمان يحفظ تماسك الدولة في أحلك ظروفها؛ فمن الناحية الإنسانية، تحولت هذه المؤسسات إلى ملاذات آمنة تمارس فقه الضرورة عبر إطعام الجائع ومداواة الجريح دون تمييز، معيدة الاعتبار لقيمة النفس البشرية فوق كل اعتبار سياسي. أما اجتماعياً، فقد لعبت دور ترميم التصدعات القبلية، محولة دور العبادة إلى مراكز للمواطنة الوجدانية التي تذوب فيها الفوارق الطبقية، بينما تجلّى عمقها الثقافي في قدرتها على صهر الموروث الشعبي بالقيم الروحية، مما خلق هوية سودانية متصالحة مع ذاتها.
دور الكيانات الدينية في سودان ما بعد الحرب:
يتمثل الدور المنشود للكيانات الدينية في صياغة عقد اجتماعي ديني يتجاوز الاستقطاب، ليصبح في زمن الحرب بوصلة أخلاقية تُبطل مفعول خطابات الكراهية وتحمي قدسية الحياة عبر شبكات التكافل والإغاثة العابرة للولاءات الضيقة، وفي زمن السلام حارساً للعدالة الانتقالية والتعافي الوطني. إن الوظيفة الحضارية لهذه الكيانات تكمن في قدرتها على التحول من أدوات حشد للاستبداد إلى منصات تنوير ووعي تُعلي من قيمة الحرية الفردية والمسؤولية الأخلاقية. ويقوم هذا العقد الاجتماعي الديني على المبادئ التالية:
أولاً: المرجعية الأخلاقية والاستقلال المؤسسي: بأن تلتزم الكيانات الدينية بالوقوف على مسافة واحدة من صراع السلطة، لتظل مرجعية روحية وأخلاقية جامعة، مع تجريم توظيف المنابر الدينية في التحريض. وتفعيل الحوار بين الأديان والطوائف بإدارة جلسات مصارحة ومصالحة تستلهم القيم السودانية والأعراف الدينية لجبر الضرر تسهم في بناء مشروع وطني.
ثانياً: من الوعظ إلى التنمية المستدامة: بالتحول المنهجي من مجرد الإرشاد النظري إلى تقديم خدمات تنموية (محو الأمية، رعاية الطفولة والمسنين، القرض الحسن، إغاثة المنكوبين). إن “الدين المعاملة” يقتضي محاربة الفقر والجهل باعتبارهما المرتع الخصب للتطرف، مما يجعل المؤسسة الدينية شريكاً في بناء الأمن الإنساني. وتطوير رأس المال الاجتماعي بحيث لا ينحصر العمل الخيري في الإطعام والإيواء، بل يتسع ليشمل منظومة تضامنية متكاملة تعيد بناء الثقة والروابط الأفقية بين مكونات المجتمع، مما يحول العمل الأهلي إلى بنية شاملة للتعافي وإعادة توزيع الموارد المادية والرمزية.
ثالثاً: الخطاب الديني ومواجهة التفكك: إطلاق ميثاق حرمة الدماء كحملة دعوية مشتركة تستهدف مراكز الإيواء، لترسيخ فقه التعايش وتفكيك السرديات التي غذّت الحرب، وتأكيد قدسية الحياة فوق كل انتماء ضيق. وتحديث الفضاء المعرفي وتطوير تعليم ديني داخل المساجد يقدم فقه الواقع ومقاصد الشريعة لبناء عقل نقدي يميز بين الثابت والمتغير، ويؤسس لثقافة السؤال المنهجي، مع توظيف الأدوات الرقمية لمواجهة الفتاوى العشوائية وخطابات الكراهية ببدائل تنويرية.
رابعاً: الدين كقوة ناعمة للاستقرار: عبر الاستجابة للتحولات المعاصرة في ظل تآكل أنماط التضامن التقليدي وهشاشة الفضاء الرقمي، يبرز الدين مورداً استراتيجياً لإعادة إنتاج المعنى. وتكمن وظيفة الكيانات الدينية في تحويل التدين العاطفي إلى وعي أخلاقي يحول الخوف البدائي إلى إدراك مسؤول للذات والآخر. إن الغاية القصوى هي تحويل الكيانات الدينية إلى رافعة للتماسك الاجتماعي، بحيث تصبح القيم الدينية أساساً للمواطنة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.