بينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية في الممرات المائية الدولية، تتزايد التحذيرات من تحوّل السودان- وتحديداً ساحله الشرقي- إلى حلقة وصل استراتيجية ضمن محور إقليمي تقوده طهران.
ولم تعد المخاوف تقتصر على الصراع الداخلي في السودان، بل امتدت إلى أمن الملاحة العالمية في البحر الأحمر، وسط اتهامات لـ«كتيبة البراء بن مالك» وجهات رسمية بالانخراط في تنسيق عسكري واستخباراتي عابر للحدود.
وفي كشفٍ مثير لطبيعة هذه الروابط، قال إبراهيم الميرغني، وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة «تأسيس»، خلال مقابلة مع «سكاي نيوز»، إن العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية وإيران ليست تقارباً سياسياً عابراً، بل شراكة بنيوية تمتد لعقود.
وأوضح أن هذه العلاقة قامت على أرضية فكرية مشتركة، مشيراً إلى اهتمام المرشد الإيراني علي خامنئي بترجمة مؤلفات سيد قطب، الأمر الذي أسهم في بناء رابط عقائدي بين الطرفين.
وعلى الصعيد المالي، كشف الميرغني أن الديون السودانية لإيران قفزت من نحو 79 مليون دولار إلى 800 مليون دولار نتيجة الفوائد، لافتاً إلى أن 200 مليون دولار منها تم توجيهها لتمويل قطاع التصنيع الحربي السوداني تحت إشراف إيراني، ما وضع أساساً للتعاون العسكري الحالي.
وبحسب هذه المعطيات، لم يعد التصنيع العسكري في السودان موجهاً لتأمين الحدود المحلية فحسب، بل تحوّل-وفقاً للمؤشرات- إلى ما يشبه «ترسانة خلفية» لفصائل إقليمية.
وأشار الميرغني إلى أن خطوط الإنتاج داخل المصانع السودانية، والتي تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ، لم تكن مخصصة للجيش السوداني بالأساس، بل لفصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي ومجموعات أخرى مرتبطة بإيران.
ورغم الدمار الذي خلّفته الحرب، كشف الوزير عن إعادة تشغيل منشآت جديدة في بورتسودان والولاية الشمالية لإنتاج ما وصفه بـ«أسلحة نوعية»، وهو ما قد يعزز قدرة الفصائل الموالية لطهران على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
ويرى مراقبون أن هذا السياق يفسر الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مصنع اليرموك في الخرطوم عام 2012، باعتبارها محاولة مبكرة للحد من هذا النشاط.
وفي حين تتركز العقوبات الأمريكية الحالية على «كتيبة البراء بن مالك»، يرى الميرغني أن هذا التركيز يبسّط المشهد، معتبراً أن الكتيبة ليست سوى واجهة لمنظومة أعمق تضم الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن والمخابرات، وهي منظومة — بحسب قوله — ظلت تديرها الحركة الإسلامية منذ عام 1989.
ويرى محللون أن واشنطن تتجنب توجيه اتهام مباشر للجيش السوداني، حفاظاً على دورها كوسيط في العملية السياسية، رغم معرفتها — وفق هذه القراءة — بتفاصيل التنسيق الذي يضم تشكيلات أخرى مثل «البنيان المرصوص» ضمن هيكل عسكري وأمني متكامل.
لكن التحذير الأخطر يتمثل فيما يُقال عن استغلال إيران للمواقع العسكرية السودانية على ساحل البحر الأحمر لأغراض استخباراتية تقنية.
فوفق هذه الاتهامات، تستخدم طهران الرادارات السودانية لمراقبة حركة السفن التجارية وناقلات النفط، وتزويد جماعة الحوثي في اليمن بهذه المعلومات، ما يسهل استهداف الملاحة الدولية ويضع الساحل السوداني في قلب التهديدات الأمنية العالمية.
وبذلك، يبدو أن المشهد السوداني يتجاوز كونه صراعاً داخلياً، ليصبح ساحة محتملة لتمدد النفوذ الإيراني في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وبحسب الرؤية التي طرحها الميرغني، فإن أي تسوية سياسية تتجاهل أن الجيش والإسلاميين وكتائبهم يشكلون منظومة واحدة ستكون — في نظره — «تسوية قائمة على فرضية خاطئة».
ويرى أن المخرج الحقيقي يكمن في إعادة تأسيس الجيش وبناء مؤسسات أمنية وطنية جديدة بالكامل، بما يضمن استقرار السودان ويحمي أمن الإقليم.
وبينما تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على ضفاف البحر الأحمر، يظل السودان أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة في شبكة الصراعات الإقليمية، أو أن ينجح في استعادة مؤسساته الوطنية وبناء جيش مهني يضع أمن البلاد والإقليم فوق أي أجندات عابرة للحدود.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.