تُجار الدماء وبطولات الورق: عندما تتحول الخِسة إلى أيديولوجيا… السقوط الأخير لـ “الكيزان”
مجدي محمد مصطفي ماكن
لم يكن القرار الأمريكي الصادر بالأمس بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية وميليشياتها (وعلى رأسها لواء البراء بن مالك) كمنظمة إرهابية عالمية، سوى صدى متأخر لصوت الشارع السوداني الذي بُحّ وهو يصرخ في وجه هذا الكيان الاستئصالي. هذا التصنيف ليس مجرد حبر على ورق في أروقة السياسة الدولية؛ بل هو شهادة وفاة أخلاقية وسياسية لجماعة احتكرت السماء، وشوهت الوطن، واستثمرت في الموت لعقود.
إنها لحظة تاريخية تقتضي منا التوقف لتشريح هذه الجثة السياسية، وتفكيك سردياتها الزائفة، لا سيما تلك المتعلقة بمفاهيم الدين، والشرف، والرجولة، والبطولة، وكيف حولت هذه الجماعة “دولة 56” من آلة لاستغلال عرق الفقراء، إلى مسلخ يقتات على دمائهم باسم الله.
اختطاف السماء: عندما يصبح الدين أداة للقتل واللصوصية
الخطيئة الكبرى للحركة الإسلامية السودانية لم تكن الفساد المالي أو الفشل السياسي فحسب، بل كانت الجريمة الأبشع هي “اغتيال قداسة الدين” في نفوس الناس. لقد تم تفصيل الإسلام – دين الرحمة والعدل والمساواة – ليكون مجرد أداة قمعية تخدم طموحات التنظيم.
باسم الدين، تمت شرعنة سرقة مقدرات الشعب تحت مسمى “التمكين” و”فقه السترة”. وباسم الدين، تم تحويل خصومات السياسة إلى معارك بين “الإيمان والكفر”. لقد مارسوا خسة ليس لها مثيل عندما جعلوا من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية مجرد شعارات تُرفع لجمع التبرعات، وتجييش العواطف، وإرسال أبناء الفقراء إلى محارق الموت، بينما يقبع القادة في قصور الخرطوم يديرون صفقات السلاح واحتكار السلع.
هذا التشويه العمدي أساء للإسلام والعروبة بما لم يفعله ألد أعداء الأمة، لأنه جاء من الداخل، وبأيدي من يدعون حراسة العقيدة.
أوهام “الرجولة” وخطاب الاستعلاء الأجوف
في مشهد عبثي يختزل كل أمراض العقلية “الكيزانية” واختلال بوصلتها، خرج علينا القيادي بالحركة أنس عمر قبل اندلاع الحرب الأخيرة، منتفخاً بغرور السلطة التي ظنوا أنها دانت لهم إلى الأبد، ليهدد السودانيين جميعاً بصلفٍ عجيب قائلاً: “ليس هناك أرجل أو أفهم أو أعلم من الحركة الإسلامية.. وعلى الجميع إدراك ذلك، مدنيين أو عسكريين، مهما علت رتبهم، سواء فريق أو فريق أول أو مشير أو إبليس”.
هذا الخطاب المريض لا يكشف عن قوة، بل يفضح جهلاً مطبقاً وعميقاً لمعنى “الرجولة” و”الشرف”. الرجولة في وجدان العرب وفي صميم الثقافة السودانية الأصيلة، هي درع الضعيف، وملاذ الخائف، وكلمة الشرف التي لا تُنقص، والعفة عن دماء الأبرياء وأموالهم.
الرجولة هي مروءة الفارس الذي يترفع عن الغدر، وينحاز للمظلوم.
أما “رجولة” الحركة الإسلامية، فهي مسخ مشوه؛ رجولة لا تتجلى إلا في أقبية “بيوت الأشباح” حيث التعذيب الممنهج، وفي قمع النساء والطلاب في الشوارع، وفي سرقة قوت الجوعى، وفي الاستقواء بالميليشيات على العُزل. إن قادة هذا الكيان لديهم فهم معطوب لمعنى المروءة؛ فهم يخلطون بين “البلطجة الأمنية والوقاحة اللفظية” وبين الرجولة الحقيقية. إن تحديهم لمؤسسات الدولة وللشعب بهذا الصلف هو دليل قاطع على عقلية “العصابة” التي ترى نفسها فوق القانون وفوق البشر وفوق الدولة.
الجريمة الكاملة: من استغلال “العَرَق” إلى شرب “الدماء”
لفهم عمق هذه المأساة، يجب أن نضع الحركة الإسلامية في سياقها التاريخي داخل ما يُعرف بـ “دولة 56”. لقد وُلدت دولة ما بعد الاستقلال بعيب خلقي تمثل في تركيز الثروة والسلطة في يد نخب نيلية ومركزية، وتهميش الأطراف.
الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان (طائفية، عروبية، وشيوعية) مارست استغلالاً طبقياً وسياسياً قاسياً لفقراء الهامش والأرياف. لكن هذا الاستغلال ظل محصوراً في استغلال “العَرَق”. استخدموا البسطاء كعمالة رخيصة في المشاريع الزراعية، وكأصوات انتخابية تُساق بالملايين، وكحشود تُسير في المظاهرات لخدمة أجندات حزبية.
ثم جاءت الحركة الإسلامية في عام 1989، لتأخذ هذه الانتهازية إلى قاع غير مسبوق من الانحطاط. لم يعد “عرق” الفقراء يرضي نهمهم للسلطة؛ بل أصبحوا يطالبون بـ “دمائهم”. لقد نقلوا استغلال الفقراء من الحقول وصناديق الاقتراع، إلى المحارق وجبهات القتال. حوّلوا الدولة الموكلة بحماية مواطنيها إلى آلة طحن تفرم أبناء الهامش لكي يحيا التنظيم.
أبطال من ورق: مسرحية الجنوب وصناعة الوهم بدماء البسطاء
تتجلى أبشع صور هذه “الانتهازية الملطخة بالدم” في حرب جنوب السودان. العارفون ببواطن تلك الحرب يعلمون علم اليقين أن “أبطال” الحركة الإسلامية لم يكونوا سوى أبطال من ورق، صُنعت أساطيرهم بالتزوير والكذب الممنهج عبر آلة إعلامية شيطانية كبرنامج “ساحات الفداء”.
لقد حوّلوا صراعاً سياسياً حول قسمة الثروة والسلطة إلى “حرب جهادية” مقدسة. وتحت شعارات “الدفاع الشعبي” و”عرس الشهيد”، تم تخدير عقول آلاف الشباب والطلاب من أبناء الفقراء والمزارعين والرعاة، ليتم زجهم في أتون حرب عبثية.
بينما كانت دماء هؤلاء البسطاء تروي أحراش الجنوب، أين كان أبناء قيادات الحركة الإسلامية؟ كانوا يتنعمون في جامعات أوروبا وماليزيا، وتتمدد أرصدة آبائهم من أموال الفساد وعقود التسليح والإغاثة المشبوهة.
وعندما انتهت المسرحية، وجلس قادة هذه الحركة على طاولة المفاوضات في “نيفاشا”، باعوا دماء أولئك الشباب بثمن بخس. تقاسموا السلطة والثروة مع من أسموهم بالأمس “كفاراً ومتمردين”، ووافقوا في النهاية على فصل ثلث مساحة البلاد، فقط ليضمنوا بقاءهم على كراسي الحكم في الخرطوم.
أين هي البطولة في تمزيق الوطن؟ وأين هو الشرف في الترويج للموت كبضاعة لتثبيت أركان الطغيان؟ هذه البطولات المزيفة المكتوبة بدماء الفقراء هي أكبر عملية نصب سياسي وديني في العصر الحديث.
الخاتمة: سقوط الأقنعة وانهيار الصنم
لكل شيء نهاية، اليوم، ومع اندلاع حرب أبريل المدمرة، يعيد التاريخ نفسه. لواء البراء بن مالك وميليشيات الحركة الإسلامية يعيدون إنتاج نفس الخطاب ونفس الانتهازية، يستخدمون العنف غير المقيد، ويستجلبون التدريب من الحرس الثوري الإيراني، مفرطين في سيادة القرار الوطني، ليضمنوا ألا تقوم للسودان قائمة إلا تحت أحذيتهم.
لقد شوهت الحركة الإسلامية معاني الشرف، واغتالت براءة الوطن، وأحالت دولة 56 من “مشروع وطن معطوب” ، إلى مستنقع من الدماء والفساد.
إنهم لم يكونوا يوماً حماة للدين، بل كانوا “تجار شنطة” يبيعون الآيات والأحاديث في أسواق النخاسة السياسية.
سقوط هذه الجماعة وتصنيفها كمنظمة إرهابية دولية ليس نهاية المطاف، بل هو بداية الوعي الحقيقي لتأسيس سودان جديد؛ سودان لا تُسرق فيه دماء فقرائه لبناء أمجاد وهمية لقيادات مريضة بوهم التفوق، سودان تُستعاد فيه قداسة الدين ليصبح قوة دافعة للعدالة، وتُسترد فيه مفاهيم الرجولة لتعني حماية الضعفاء، لا ذبحهم على مذبح السلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.