كيف لا يصبح السودانيون فقراء، وبلادهم واحدة من أغنى دول الإقليم بالموارد؟ كيف يُعقل أن تمتلك دولة كل هذا التنوع من الثروات—بترول، ذهب، سمسم، قطن، صمغ عربي، وثروة زراعية وحيوانية هائلة—ثم يقف شعبها في طوابير الخبز والدواء؟ الإجابة، للأسف، لم تعد لغزاً.
المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في من يسيطر عليها. لعقود، ظل اقتصاد السودان رهينة شبكة معقدة من التمكين الحزبي، قادتها عناصر ما يُعرف بـ”الكيزان”، الذين أحكموا قبضتهم على مفاصل الدولة، وحوّلوا مواردها إلى قنوات خاصة تصب في جيوبهم ومؤسساتهم وشركاتهم. هذه الموارد، التي كان ينبغي أن تُرفد خزينة الدولة عبر البنك المركزي، تُصدَّر خاماً يومياً، لتنعش اقتصادات دول أخرى، بينما يزداد الداخل فقراً وانهياراً.
لو أن عائدات الذهب أو النفط أو الصمغ العربي دخلت فعلياً في الدورة الرسمية للاقتصاد، لكان السودان اليوم بلداً مختلفاً تماماً. كانت ستتوفر العملة الصعبة، ويستقر سعر الصرف، وتنخفض معدلات التضخم، ويرتفع دخل الفرد، وتتحسن الخدمات الأساسية. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: اقتصاد موازٍ ضخم، خارج عن سيطرة الدولة، تديره شركات مرتبطة بالنفوذ السياسي، تمتص النقد الأجنبي وتعيد توجيهه لصالح فئة ضيقة من المنتفعين.
هذا النزيف المستمر هو السبب الحقيقي لانهيار العملة الوطنية، وارتفاع سعر الدولار، وعجز الموازنة المزمن. ليس الأمر نتيجة ظروف خارجية فقط، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد مختطف، تديره طبقة من الانتهازيين والطفيليين والمتسلقين، الذين وجدوا في السلطة وسيلة للإثراء السريع، لا أداة لبناء الدولة.
وحين ننظر إلى أوجه الصرف، تتجلى المأساة أكثر. ملايين الدولارات تُهدر في مشاريع صورية أو صفقات مشبوهة، بينما يعاني المواطن من أبسط الخدمات. صيانة محدودة لجسر قد تُكلف ملايين الدولارات، في وقت تموت فيه الأسر من الجوع، ويُحرم الأطفال من العلاج والتعليم. في المقابل، تتصاعد الأبراج والاستثمارات في الخارج كشواهد صامتة على حجم الفساد، وعلى كيف تحولت ثروات السودان إلى أرصدة خاصة.
هذه ليست مجرد اختلالات اقتصادية، بل جريمة متكاملة الأركان في حق شعب بأكمله.
ثم جاءت الحرب لتُكمل ما تبقى من دمار. حرب لم تراعِ كلفة الدم ولا الخراب، بل بدت، في كثير من وجوهها، امتداداً لصراع على النفوذ والمصالح. المؤلم أن غالبية السودانيين، في الداخل والخارج، يرفعون صوتهم عالياً: لا للحرب. بينما تصر قلة محدودة على استمرارها، لأنها ببساطة تستفيد منها. بالنسبة لهذه الفئة، الحرب ليست مأساة وطن، بل مظلة لحماية الامتيازات، وإعادة ترتيب مراكز القوة.
هنا تتضح المفارقة القاسية: شعب يريد السلام ليستعيد حياته، ونخبة تريد الحرب لتحافظ على ثرواتها. إن إنقاذ الاقتصاد السوداني لا يبدأ بالمنح أو القروض، بل باستعادة الدولة من قبضة هذه الشبكات. يبدأ بالشفافية، وبإخضاع كل الموارد لولاية وزارة المالية والبنك المركزي، وبمكافحة الفساد بلا انتقائية، وبإعادة توجيه الثروة لصالح المواطن، لا لصالح “القطط السمان”.
السودان ليس بلداً فقيراً، لكنه أُفقر عمداً. وما لم تُكسر هذه الحلقة، سيظل السؤال مطروحاً: كيف لبلد غني أن يظل شعبه جائعاً؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.