سيطرة التنظيم الإسلاموي على الاقتصاد السوداني عبر المؤسسة العسكرية

عمر سيد أحمد

شهادة من الداخل:
تشريح منظومة النهب الممنهج
مقاربة تحليلية مستندة إلى شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله

بعد ما يقارب أربعة عقود من العمل في القطاع المصرفي والمالي، وإدارة عدد من المصارف، لم أُصَب يومًا بما أصابني حين تابعت شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله في بودكاست السودان 360، المسجّل من العاصمة الكينية نيروبي. فهذا الرجل ليس معلقًا سياسيًا ولا ناشطًا خارج المؤسسة، بل هو ضابط قضى ستةً وعشرين عامًا في أعماق الجهاز المالي والإداري للقوات المسلحة السودانية، دخلها عام 1994 خريجًا من كلية التجارة بجامعة النيلين، وتدرّج فيها محاسبًا وماليًا ومدققًا داخليًا ومديرًا لعدد من مؤسساتها الاقتصادية، حتى بلغ رتبة عميد وحاز وسام الجداره من القائد الأعلى للقوات المسلحة. ما كشفه هذا الرجل لم يكن مجرد فساد عارض، بل كان وصفًا دقيقًا لمنظومة حكمٍ موازٍ شيّدها التنظيم الإسلاموي داخل الجيش السوداني منذ انقلاب يونيو 1989 وحتى اليوم. هذا المقال محاولة لتشريح هذه المنظومة استنادًا إلى تلك الشهادة النادرة وتحليلها من منظور مالي ومؤسسي متخصص.
حين استولى التنظيم على السلطة في يونيو 1989، لم يكن الانقلاب العسكري سوى الواجهة المرئية لمشروع أعمق بكثير. فقد سبق ذلك بناء شبكة اقتصادية صامتة من المصارف والشركات والتجمعات التجارية، نمت في أحضان الحركة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي، مستفيدةً من فتح الرئيس نميري المجال أمام المصرفية الإسلامية، ومن التحويلات المالية لجاليات الخليج. وحين جاء الانقلاب، كان التنظيم يمتلك رصيدًا ماليًا وبشريًا ومؤسسيًا مكّنه من الانتقال الفوري من المعارضة إلى الهيمنة الشاملة. الخطوة الأولى كانت تطهير المؤسسة العسكرية من عناصر الاحترافية والولاء الوطني وإعادة بنائها على أساس الولاء التنظيمي. وكشف العميد فضل الله أن هذا لم يكن عشوائيًا، بل كانت هناك مكاتب منظّمة داخل الجامعات السودانية معنية بانتقاء الطلاب الخريجين الموجَّهين للالتحاق بأجهزة الدفاع والأمن والشرطة والخارجية. يقول بوضوح تام إنه كان في مكتب موجود في الجامعة يختار من يمشي للخارجية ومن يمشي للدفاع ومن يمشي للأمن ومن يمشي للشرطة. وأضاف أن الدفعات العشر الأولى من 1989 حتى 1999 كانت بأكملها من الكوادر الإسلامية، وهؤلاء هم اليوم قادة الفرق والمحركون الرئيسيون في الحرب الجارية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.